“الزرفة… الهروب من جحيم هنهونيا”، وتعني بالدارجة السعودية السرقة الخاطفة، هو عنوان الفيلم الكوميدي السعودي الجديد، الذي حقّق أخيراً مشاهدات مهمّة في صالات العرض السعودية، في الأسابيع الأولى لعرضه، ليسافر بعد ذلك إلى خارج الحدود. الفيلم من إخراج عبد الله ماجد وتمثيل فهد المطيري ومحمد شايف وحامد الشراري. وتدور أغلب أجوائه بين السجن والصحراء. يجتهد الفيلم عبر جرعات ميلودرامية متفجّرة أن يبتكر جديداً في الكوميديا، ولأن أصعب الأفلام هي الكوميدية، لأن من أبرز مهامها إضحاك المتفرّج وإخراجه (مؤقّتاً) من واقعه الضاغط إلى واقع آخر ديدنه الخفّة والتسرية، لذلك استعان الفيلم بضخامة الإنتاج والشحنات القوية من التأثير لكي يصل إلى هذه الغاية.
    ولكن، هل استطاع الإنتاج الضخم، الذي سيلاحظ سخاءه المتفرّجُ بسهولة، أن يجعل الفيلم يحقّق معادلة الإضحاك الصعبة في الزمن الفاتر؟ أم إنه توقّف عند حدود الهزل المجّاني، ودخل بالتالي في سياق ما سمّاها الكاتب السعودي محمّد العباس “كوميديا اللامعنى”؟
    يدور الفيلم حول قصّة ثلاثة شباب (حمد ومعن وسند)، وبسبب الإدمان على وسائل التواصل الإلكتروني ومنصّاته المتعدّدة، استطاعوا أن يتحكّموا في بوابات شركة الهنهون القابضة، ويسطوا عليها ليلاً، متحكّمين أيضاً بكاميرات المراقبة التي تمتلئ بها ممرّات الشركة، ليسرقوا عقداً ذهبياً غالي الثمن، وضعه صاحب الشركة لجذب الزبائن، ومحاط بحراسة إلكترونية معقّدة. يتمكّن الشباب الثلاثة من سرقة العقد (الرشرش)، ثمّ الذهاب به إلى الصحراء ودفنه في جدار بئر مهجورة. وتتمكّن الشرطة، بعد البحث والتقصي، من العثور عليهم، فيودعون سجناً يسمّى “الجفرة”، ومن هناك يخطّطون للهروب. في تلك الأثناء، كان صاحب شركة الهنهوني يخصّص جزءاً من ثروته لإنتاج فيلم عن جدّه المؤسّس، الذي كان في بداية حياته فارساً. هنا يفتح الفيلم سانحة للمزج بين التاريخ والحاضر، إذ يأتي المنتج بخيول وحراب لتقريب الذاكرة من المشاهد، وهو يأمل عبر هذا المزج الزمني، وعبر جرعات من التنكيت المُرتجَل والموسيقى والمؤثّرات العالية، أن يحظى بأعلى نسبة من الإضحاك. يحسب للسينما السعودية الفتية هذا الانفتاح على تجارب عالمية، كما حدث مع مسلسل “شارع الأعشى”، الذي عُرض في شهر رمضان المنصرم، واستعان المنتج بخبرات الدراما التركية.
    نجد في الفيلم من الشخصيات الممثّل الأميركي روبرت نبر، الذي أدّى دور المحارب المعادي. ولكي يعثر صاحب شركة الهنهون على “رشرش” جدّته يتواصل مع السجن طالباً ممثّلين كومبارس تحت بند الخدمة الاجتماعية التي يتيحها السجن للمساجين تحت الحراسة. الشباب الثلاثة المساجين يجدونها أيضاً فرصة للهروب من السجن، فتتحوّل المعركة بعد ذلك من معركة تمثيلية في فيلم إلى مطاردة حقيقية بين الشباب الثلاثة من جهة، وحرّاس السجن وطاقم الفيلم من جهة أخرى، وكأننا إزاء فيلمَين دمجا في فيلم واحد، وهنا مكمن الطرافة والجدّة في هذا الفيلم الذي ينحو إلى الكوميديا في ظاهرة، ولكن أيضاً يجهد قدر الإمكان في استجلاب فكرة مبتكرة.
    يستثمر الفيلم وجود الشباب الثلاثة في السجن لإحداث جوٍّ من المرح بين السجّانين وأصحاب المحكوميات الكبيرة، كما يطلعنا على إمكانية أن يكون السجن (في أحد وجوهه) مسرحاً للحياة المنبسطة والرقص والغناء، إذ يزخر بمقاطع غنائية تُؤدَّى في استراحات السجناء، يمكن أن يذكّرنا الأمر بالأفلام الهندية، وما فيها من توجّه قديم للمرح والغناء والموسيقى، حتى في ظلّ المواضيع التراجيدية الجادّة. في نهاية الفيلم، وحين كنّا خارجين، سألت مرافقي لهذه السهرة، ابني فارس عمّا أعجبه أكثر في الفيلم… فأجاب: الفراخ (يقصد الفشار أو “البوب كورن” الذي يُشترى عند الدخول إلى قاعات العرض).
    يٌحمد لطاقم التمثيل هذا الزخم الواضح والمتعدّد، وبذل قصارى الجهد للإضحاك وتجسيد الأدوار المنوطة بكلّ منهم، وتسخير الإمكانات (على حداثة الخبرة السينمائية) من أجل ابتكار فيلم سعودي جديد يمكنه أن يشكّل نواةً لدراما سينمائية متمازجة. وقد كانت قاعة العرض، حيث شاهدت الفيلم في سينما “عُمان مول” بمسقط، شبه مزدحمة، ما يعني أن الفيلم نجح أيضاً في اجتذاب مشاهدين من أماكن مختلفة.