بمبادرة لم تكن محسوبة سلفاً، شارك جورج شقير في إنتاج فيلم “يومٌ آخر” لخليل جريج وجوانا حاجي توما قبل نحو عشرين عاماً. التمويل ما كان مكتملاً، فعُرض عليه مساهمة إنتاجية. هكذا انطلقت بداية تجربة سينمائية موفّقة في مجال الإنتاج، تستمر منذ عقدين، وتُوِّجت مساء الخميس الماضي بتكريم في مهرجان لوكارنو السينمائي لشركته المستقلّة “قبوط” (مع المنتجة ميريام ساسين)، تقديراً لمساهمتها في دعم أصوات سينمائية جديدة من لبنان والعالم.
“لم يكن الأمر مصادفة. السينما كانت حلمي طوال حياتي”، يقول في مقابلة مع “النهار” (نسختها الكاملة منشورة على الموقع الإلكتروني)، هذا الخمسيني الذي درس الإخراج في فرنسا، قبل أن يعود إلى لبنان ليعمل مع والده في صناعة الملابس مدة عشر سنوات. تلك العودة الموقّتة أبعدته عن حلمه السينمائي، لكنها لم تُطفئه. “عندما أنهيتُ ما كان مطلوباً مني عائلياً، عرض عليّ خليل وجوانا أن أخرج فيلماً. لم أكن متأكّداً، فأجبتُ: “عملتُ في مجال المصارف والملابس، ربما أتولّى الإنتاج”. يتذكّر شقير هذه الفترة من تجربته، وكأنه يروي بداية خيار عثر عليه عبر الضرورة العملية.
منذ ذلك الحين، تحوّل هذا اللبناني إلى أحد أهم المنتجين المستقلين في بلاده، والأبرز في دعم سينما المؤلف. “أنتجتُ فيلماً، ثم ثانياً وثالثاً ورابعاً بشكل مستقل، وعندما قررتُ تأسيس شركة، بقيتُ على اسم “قبّوط” الذي كان وضعه جوانا وخليل. قالا لي: هذه شركتك أيضاً”. الاسم، كما يروي، جاء من تغنيج خليل جريج لزوجته جوانا بـ”قبّوط“، قبل ان يتحوّل إلى علامة سينمائية ساهمت في دعم أعمال لسينمائيين مثل غسّان سلهب وجورج هاشم ومحمّد ملص وآن ماري جاسر وغيرهم كثر.
اليوم، يضم كتالوغ الشركة ما يزيد على ثلاثين فيلماً لبنانياً، ويصل الرقم إلى خمسين أو ستين إذا ما أُضيفت إليه أعماله عبر شركة “شورتكت”، التي شارك عبرها في إنتاج أفلام غربية عُرضت في مهرجانات كبرى، من بينها “زاما” (2017)، تحفة المخرجة الأرجنتينية لوكريسيا مارتل. “خمسة أفلام في المسابقة الرسمية لبرلين، ثلاثة أو أربعة في البندقية، عدة أفلام في “نظرة ما” في كانّ”. ومن بين المحطات اللافتة مشاركته في إنتاج فيلم جان لوك غودار الأخير: “كتاب الصورة” عام 2018. يروي: “غودار طلب أن أشاهد الفيلم في منزله. سافرتُ إلى جنيف، أرسل إليّ سيارة توجهتُ بها إلى منزله في رول، فعرض عليّ الفيلم بنفسه. تحدّثنا بعد العرض عن فلسطين ولبنان وزيارته له عام 1969”.

ملصق مهرجان لوكارنو السينمائي.
معضلة الإنتاج المشترك مع الغرب يختزلها شقير بعبارة لافتة: “الجار المغرم بجارته قصّة لا تهم أحداً. في المقابل، قصّة مسيحي يجزّ رأس مسلم حكاية جذابة”. في رأيه، ما يثير اهتمام الجهات الغربية المموّلة هو ما يُعرف بـ”الهاي كونسبت”، أفكار عالية التوتّر، قابلة للتسويق بسهولة، وغالباً ما ترتبط بالتوتّرات الثقافية أو الدينية. ومع ذلك، يشير إلى استثناءات تظهر بين الحين والآخر تؤكّد القاعدة، مثل فيلم سيريل عريس الأحدث، “نجوم الأمل والألم”، من إنتاجه، الذي يروي قصة حب تمتدّ على ثلاثة عقود، وقد اختير للمشاركة في مهرجان البندقية المقبل.
لا يخفي شقير ارتباطه العاطفي ببعض الأفلام أكثر من غيرها. أبرزها “دفاتر مايا” لجوانا حاجي توما وخليل جريج الذي كاد ان يفتتح برلين 2021 لولا تفشّي الوباء. “يتناول تاريخاً شخصياً يخصّني. خلال “حرب التحرير”، ركبتُ الباخرة إلى فرنسا. ثم عدتُ إلى لبنان لأصنع سينما، رغم انه كان يمكنني أن أبقى هناك. الدفاتر الظاهرة في الفيلم حقيقية، تعود لجوانا التي أعرفها من المدرسة”. كما يذكر أيضاً “كوستا برافا” لمونيا عقل، كفيلم “أنقذنا” بعد كارثة 4 آب: “كان أول مشروع نعود فيه إلى العمل، بعد أن خسرنا بيوتنا ومكاتبنا، وكان جرحنا لا يزال طازجاً”.
بالنسبة إليه، المخرج أهم من السيناريو: “إذا لم أقتنع أن المخرج قادر على تقديم فيلم أفضل منّي، أنسحب”. يرى أن السيناريو مهم، لكن الأهم هو مَن يصنعه. كما يشير إلى أن السينما الجيدة لا تأتي فقط من نصّ جيد، بل من شغف حقيقي وارتباط بالمادة، وهذه مسألة لا يمكن تقييمها على الورق فحسب، ولهذا يعتمد على الـ”بيتشينغ” ومقاطع مصوّرة في عملية التقييم.
يعود شقير إلى التحديات التي تعيشها السينما اللبنانية، خصوصاً ما بعد تفجير المرفأ الذي ترافق مع تفشّي الوباء: “توقّفت تماماً عن العمل في فترة من الفترات. لم أعد أستطيع قراءة سيناريوات. كلّ شيء تأذّى”. ويذكر أن التمويل في تلك المرحلة تعرض لانكماش. مع ذلك، يشدد على أن أزمة السينما لا تنحصر في التمويل، بل في غياب صالات عرض تستقبل هذه النوعية من الأفلام وتعطيها فرصة في ملاقاة جمهورها.
في هذا السياق، يرى مشروع مجمّع “متروبوليس” (صالة “فنّ وتجربة” في بيروت ساهم فيها) بديلاً ضرورياً، إذ يمنح حرية برمجة تسمح بعرض الفيلم المحلي لأسابيع، على عكس الصالات التجارية: “في كوريا، القانون يفرض عرض الفيلم المحلي ستة أسابيع على الأقل. أما عندنا، فلنأخذ مثل “ربيع” لفاتشيه بولغورجيان الذي سُحب من 10 صالات بعد أسبوع واحد فقط”.
لا يُخفي شقير موقفه من موجة السينما الاستهلاكية التي سادت في لبنان قبل نحو عقد. يقول بصراحة: “هذه ليست السينما التي أطمح إليها. إنجاز فيلم يتطلّب مني سنتين، ولن أُهدر هذا الوقت في مشروع لا أحبّه”، مؤكداً تمسّكه بإنتاج أفلام تعبّر عن قضايا يتماهى معها، من الجنوب اللبناني إلى بيروت المتلاشية، ومن التجربة الشخصية إلى الذاكرة الجماعية. تبقى الشاشة في نظره إحدى أكثر الوسائل قدرةً على التعبير عن ثقافة بلد وشعب.
