من يراقب سلوك “حزب الله” في الأيام القليلة الماضية يكتشف أن الموقف لم يتغير، بل إن المناخ الإقليمي ينذر بتطورات دراماتيكية مقبلة على المنطقة، وسط توجه كبير نحو إعادة رسم الخرائط وتغيير الخريطة الجيوسياسية في الإقليم، من لبنان إلى سوريا والعراق وربما وصولا إلى إيران نفسها، وكلها عناصر تشير إلى أن الملفات العالقة في لبنان لن تجد في القريب حلولا ناجزة يمكن الركون إليها من أجل انطلاقة جديدة للبلاد.

 

كلامنا هذا ليس منطلقا من نظرة تشاؤمية، بل من أن الشرق الأوسط ما بعد “طوفان الأقصى” لن يكون مشابها لما قبله. والحال أن ما نلمسه من تحولات سياسية وأمنية في الإقليم يشي بأن التغيير سيكون أكثر عمقا، ولا سيما أن إسرائيل ومن خلفها أميركا لم تقفلا بعد ملف التغييرات التي قد تكون جزءا من حساباتهما المستترة حتى اللحظة. 

 

في هذا الإطار لن نستغرب إذا كان ما سنشهده في المرحلة المقبلة مزيدا من الضغوط على الداخل الإيراني، وصولا إلى شن هجوم كبير عليها، بناء على نظرية أن مصالح الولايات المتحدة ومعها إسرائيل وحلفاؤهما في المنطقة لن تتأمن وتستقر قبل إسقاط النظام الإيراني.

 

يقيننا أن المطروح اليوم ليس تحسين سلوك “إيران ١٩٧٩” بل طي صفحة النظام كما عرفناه في العقود الأربعة الماضية. قد يحصل بعد حرب ثانية في الخريف المقبل، أو مع وفاة المرشد علي خامنئي، أو مع انهيار الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد بعد حصول انقلاب جوهري في المعطى الجيوسياسي في العراق الذي يعتبر خط الدفاع الأخير للنظام في طهران. ومشكلة النظام أنه يعاني الأمرّين مع الرأي العام الذي غادر منذ أعوام مربع النظام و”ثورة ١٩٧٩”، وشيئا فشيئا تتلاشى قوة نظام المصالح المتشابكة بين النظام وقواعده، وفي الوقت عينه يشيخ النظام الذي أسسه مرشد الثورة الإمام الخميني.

 

ما تقدم لا بد أن ينعكس مزيدا من التراجع في نفوذ النظام الإيراني ولا سيما في لبنان، بعدما تلقى الحزب المرتبط عضويا بـ”الحرس الثوري” ضربة قاصمة لن يتعافى منها في المديين القريب والمتوسط، وخصوصا أنه سيتلقى ضربات أخرى تبقيه حتى بما تبقى له من سلاح في حالة من الضعف الشديد عسكريا وأمنيا، توازيا مع انهيار معنوي، بحيث لا يمكن التنبؤ بحجم انعكاسه على مصير الحزب ككل.

 

فمع انطلاقة حرب تغيير المعطيات الجيوسياسية معطوفا عليها تغيير الخرائط بشكل مختلف عما كان معتمدا في مرحلة بناء الأمم مطلع القرن العشرين، لن نفاجأ إذا ما شهدنا ولادة أحزمة أمنية جديدة لا تعلن تغييرا في الخرائط السياسية للدول والكيانات، وإنما تعدّل طبيعة مناطقها الحدودية، مثل جنوب لبنان وسوريا. هنا لا نستغرب نشوء حزام أمني – اقتصادي عازل مع إسرائيل يمتد من الساحل اللبناني المطل على البحر الأبيض المتوسط، إلى سوريا، شاملا محافظات القنيطرة وصولا إلى تخوم دمشق ودرعا والسويداء، ثم مثلث الحدود السورية – العراقية – الأردنية عند منطقة ال٥٠ التي تشمل الدائرة الأمنية لقاعدة التنف! لن نفاجأ بمشهد يقلب المنطقة رأسا على عقب. هذا هو إرث يحيى السنوار!