غردت بدرية الشمري تقول:
(مدري احصلها من الظروف
وإلا من عمي
يقول ليتك ولد كان تسوين كل عيالنا..)
أي لو أنها ولدٌ لكانت الأفضل بين كل الأولاد، وهو قولٌ يتضمن المدح والذم معاً، مدحٌ لذاتها ولفعلها، ولكنها بما أنها بنت فهي غير مؤهلة لأن تتفوق على الأولاد حتى وإن تفوقت بفعالها، وهذه استعادة لما ورد في المثل الشهير (قطعت جهيزة قول كل خطيب)، حيث تحول في التفسير الثقافي للجملة بأنها تدل على حماقة المرأة، لأنها كسرت كلام الفحول، مع أن الحقيقة هي أن جهيزة تفوقت على كل الخطباء، كما تفوقت بدرية على كل الأولاد، ومن هنا فالتغريدة تقوم مقام الجملة الثقافية، لأنها بمثابة الكاشف النسقي، وتحيل إلى انقلاب ثقافي من حالٍ إلى حال، إذ تحرك ذاكرة زمن حين كانت المرأة في طي النسيان وعلى هامش المعاني، وكل تميزٍ لها ينقلب ضدها. على أن الثقافات البشرية كلها كانت تحيل المرأة للنسيان، ففي بريطانيا لم تتمكن المرأة من الوصول للبرلمان إلا عام 1919 بعد أكثر من مئتي عام منذ تأسيس البرلمان البريطاني عام 1707 تبعاً لانضمام أسكتلندا إلى إنجلترا، وتم وضع برلمان موحد بينهما، وكانت نانسي آستور المرأة الوحيدة في مكان مكتظ بالرجال، وكانت تتعرض للعنف عبر تجاهلها، فالأعضاء يتجنبون تحيتها في الممرات ولا يتحدثون معها.
ومن النكت الإنجليزية المتوارثة أن النائبة آستور كانت تجلس مباشرةً خلف كرسي وينستون تشيرتشل، وكان صفها أعلى من صفه وإذا وقفت تخطب من خلفه تساقط لعابها على صلعة تشيرتشل، لأنها تتوتر من ردود فعل النواب على كلامها ومن ضغوط الظرف، وهذه نكتة تنطوي على تصور تحقيري لهذه السيدة الوحيدة في المجلس. مما يعني أنها كانت تحت ضغط ظرفي وحصار ثقافي فقط لأنها امرأة في مجلس الرجال كما حدث لجهيزة، وهذا تجانس نسقي عابر للثقافات.
وعوداً لتغريدة الشمرية فهي تحيل لقيم التحول الجذري، فهذه المرأة تعلمت، ومن ثم تمكنت من تملك وسيلة للتعبير، وتملك لغةً ووعياً يجعلها تطلق تغريدة ليست عاديةً وإن بدت بسيطةً وطريفةً، إلا أنها تعري ثقافةً مضت كانت المرأة فيها تُلغى وتتقبل الإلغاء بل تشيعه وتستديمه عبر أقوال الجدات لبناتهن وحفيداتهن.
وكما أن الإنجليز يتجاهلون زميلةً لهم في البرلمان، فإن بدرية تصف موقف عمها الذي في نيته الثناء عليها، ولكنه عاجز عن منحها حق الفضل والتميز ولو كانت صفاتها لولد لنال الثناء، أما هي فرغم استحقاقها الثناء، لكنها ليست مؤهلةً له ثقافياً. ولكنها وهي تغرد تصدت لكسر ستار التجاهل، وأعلنت عن قيمتها، بينما لم يكن ذلك ميسراً للنساء قبلها، لأن المرأة من قبل لم تكن تملك لغةً ولا وسيلةً ولا وعياً، بما أنه ممنوع عليها أن تعبر عن ذاتها، أو أن يكون لها شعور أو وسيلة للتعبير، ولهذا فهذه التغريدة تعري نسقاً ثقافياً اختفت بعض حيله، ولكنه لما يزل يؤثر بصيغ متعددة. وقد لا ينتهي لأن ذاكرة المرأة لما تزل موضع تحيز يتحايل على درجات الوعي، ويتلبس صيغاً تتلون بلوس التمدن، ولكنها تضمر التحيز. وفي التغريدة إشارةٌ إلى تضافر الظرف مع سلطة العم، وفيهما تكمن الأوجاع المتوارثة.
كاتب ومفكر سعودي
أستاذ النقد والنظرية/ جامعة الملك سعود – الرياض