عبد العزيز بنعبو

الرباط ـ «القدس العربي» : من الكلمة الأولى لتدوينة عابرة على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، تلمس حميمية جيل الورق، متوهجة ومختلفة تماما عن نقرات جيل الإنترنت، الذي وجد العالم الافتراضي مفتوحا أمامه على مصراعيه، ولم يختبر إلا قليلا متعة احتضان كتاب.
من المؤكد أن التعامل مع القلم لا يشبه التعامل مع زر الحاسوب؛ فهي أحاسيس مختلفة، تشبه الرسم على ورقة بيضاء. وغالبا ما يتوج الشاعر مسيرته الإبداعية بإصدارات ورقية في محطات مختلفة من عمره الإبداعي، لأن الكتاب في حد ذاته مولودٌ له حياة وكيان، يملأ فجوة في نبض المبدع. بعضهم يغادر عالم الورق، فيما يزاوج آخرون بين الصيغتين النشر الورقي والإلكتروني، فيحافظون على التوازن بين الإبحار في «وادي السيليكون» والغوص في يمّ الورق.
أغلب الشعراء وكثير من المبدعين في أصناف أدبية مختلفة وفّقوا بين الحضور الرقمي والورقي. ومنهم الشاعرة رشيدة فقري، صاحبة «إكسير الروح»، «فراشة المتاهة»، «ليلة الكرز».. وكان السؤال الذي استفز حسّ الانتماء للكلمة واختصر مسافة العلاقة معها: هل غادرت النشر الإلكتروني؟
تجيب الشاعرة: «لم أغادره، إنما رشّدت تعاملي معه، فالكاتب لا غنى له عن كليهما، لكل واحد منهما إيجابياته وسلبياته، وأنا أحاول أن أوفق بينهما دون السقوط في براثن الإدمان على النت».
وتؤكد فقري في حديثها لـ»القدس العربي»: «أنا من جيل الورقي، ولي مع رائحة الكتاب عشرة وألفة. ما زلت إلى اليوم لا أنام إلا وأنا أحتضن كتابا، ولا أجد متعة القراءة إلا على الورق». لكنها تأسف لاضطرارها أحيانا لقراءة كتب إلكترونية لعدم توفرها ورقيا، مضيفة «أقرأها على مضض، فقط لأني مضطرة». وتوضح «لست من مبدعات الإنترنت. أغلب أنشطتي على أرض الواقع، ولا أنشر رقميا إلا بعض الشذرات، أو قصائد سبق نشرها ورقيا. حتى حضوري على منصات التواصل الاجتماعي نادر، ولا يتكثف إلا قبل أو بعد نشاط ثقافي قمت به؛ إذ أستفيد من الفضاء الرقمي للترويج له وتغطية أطواره، ثم أختفي لأسابيع».
جدل الرقمي والورقي يجد صداه في كثرة «القصائد» المنشورة هنا وهناك. وغالبا ما توجَّه انتقادات للنشر الإلكتروني، خصوصا في مجال الشعر، بدعوى أنه يضيف أسماء بلا مواهب ولا هويات فكرية أو لغوية. كما تُوجّه انتقادات لبعض الشعراء الذين لا يساهمون في تنقية طريق الإبداع أمام الراغبين فيه. فهل تعمل رشيدة فقري على هذه «التنقية» من موقعها كمشرفة على منتديات إبداعية؟
تقول: «نعم.. كنا نغربل ما يُنشر في المنتديات، بل أنشأتُ قسما بعنوان (نصك جيد لكن..) في منتدى جامعة المبدعين المغاربة وملتقى الأدباء العرب. كنا نقوّم النصوص الشعرية، نناقش أصحابها، ونرشدهم إلى نقاط القوة والضعف. ثم نقلنا التجربة إلى أرض الواقع، فصرنا نلتقي كل أسبوعين ونناقش الإبداعات حتى ننقح النصوص ونضع أصحابها على الطريق الصحيح».
لكنها تستطرد: «بعد أن ابتلع فيسبوك كل المنتديات، صار مرتعا للغث والسمين. ومع غياب الرقيب، أصبح كل متشاعر ينشر ما يشاء. والأسوأ أن من كانوا ينشرون باعتدال أصيبوا بإسهال إبداعي، ينشرون عشرات النصوص يوميا. وحين تحريت وجدت أن كثيرا منهم يلجؤون للذكاء الاصطناعي. أحزنني ذلك لدرجة أني كتبت قبل أيام أني سأعتزل الكتابة، لأني أرفض أن أسبح في البركة نفسها مع شعراء الذكاء الاصطناعي».
فهل من سبيل إلى تنقية الفضاء الرقمي من المدعين ومنتحلي صفة الشاعر، أو الصحافي أو الناقد أو الفنان؟
في رأي فقري: «ليس هناك سبيل إلا إذا تضافرت جهود المبدعين الحقيقيين وشكلوا لجانا لتقصي هذه الظواهر ومحاربتها. أذكر أن بعض الشباب أقاموا (محكمة الشعر) على فيسبوك، كانوا يتصيدون النصوص الرديئة ويواجهون أصحابها، وقد نجحت التجربة إلى حد ما. لكن كما يقول المثل المغربي: (الحمية تغلب السبع). فكيف لعشرة شبان أن يقاوموا جيشا من مدعي الشعر ولصوص الكلمة؟ للأسف، هذه المحكمة التي كانت كوة ضوء في جدار العتمة تبخرت سريعا، وتركت المجال مفتوحا أمام طفيليات الإبداع ليتكاثروا كالفطر».
ومثلما يقال عن الشعر، يقال عن اللغة التي أنهكت وتحولت إلى حقل يزرع فيه من هبّ ودبّ كلماته الخاطئة. وعن تجربتها مع اللغة العربية كمدرّسة سابقة، تقول فقري: «النجاح كلمة فضفاضة. قد أكون نجحت في جانب وأخفقت في آخر، مثلا نجحت في التدقيق اللغوي لأغلب إصدارات جامعة المبدعين المغاربة، ورابطة كاتبات المغرب وبعض كتب الأصدقاء. لكنني أخفقت حين أكون في لقاء أدبي وأسمع اللغة تُذبح: الفاعل يصبح مفعولا به والمضاف إليه فاعلا! أستمع وأتألم في صمت، عاجزة عن تغيير ما أراه منكرا في حق لغتنا الجميلة».
وعن تجربتها الإبداعية، تقول: «ما زلت أحبو على أرض الكتابة، وما زلت أرى الطريق أمامي طويلا. أكتب القصيدة بعد مخاض عسير، وحين تولد أحس بأنها جميلة، لكنني أشعر بأن في داخلي أختا أجمل منها تنتظر الميلاد. سأظل أبحث عن القصيدة الكاملة حتى آخر حياتي، وهي حلم لا يتحقق».
وتصف بداياتها بـ»المتواضعة»، إذ كتبت منذ الابتدائي بالسليقة، ثم واصلت عبر المنتديات الإلكترونية، قبل أن تُصدر مجموعتها الأولى «إكسير الروح». وتضيف: «القصيدة العمودية ظلت تغازلني سنوات، حتى كتبت قصيدتي الأولى في ملتقى الأدباء العرب، ولاقت إعجابا كبيرا، فكان دافعي لمزيد من الإنتاج».
كما خاضت مجال الترجمة، فنقلت إلى العربية أعمالا مثل «كيف يكتبون الرواية» (همنغواي نموذجا)، و»عصفور يغني في العطش وحيدا» (أنطونيو ماشادو)، و»دعنا نذهب أنا وأنت» (ت. س. إليوت). وتؤمن بأن «الشعراء ينتصرون للجمال والحب والسلام، ولكل بصمته الخاصة».