
في خريف 2024، قدّم المخرج عيران ريكليس فيلمه الجديد «قراءة لوليتا في طهران»، مقتبسًا من المذكرات الشهيرة للكاتبة والأكاديمية الإيرانية-الأمريكية أذر نفيسي. الفيلم لا يقتصر على إعادة سرد تجربة شخصية، بل يحاول فتح نافذة على لحظة تاريخية حاسمة في إيران ما بعد الثورة الإسلامية، حيث أصبح الأدب الغربي مساحة مقاومة، وحيث كان فعل القراءة نفسه عملاً من أعمال التحدي.
حين نتأمل فيلم «قراءة لوليتا في طهران»، نرى أنه لا يمكن عزله عن السيرة الذاتية والفكرية للمرأة التي ألهمت قصته، الكاتبة والأكاديمية الإيرانية أذر نفيسي. وُلدت نفيسي عام 1949 في طهران لعائلة تنتمي إلى الطبقة المثقفة والليبرالية. فوالدها كان عمدة طهران لفترة قصيرة، ووالدتها من أوائل النساء اللواتي أصبحن نائبات في البرلمان الإيراني في الستينيات، وهو ما منحها منذ وقت مبكر إحساسا بأن للسياسة حضورا قسريا في تفاصيل الحياة اليومية.
درست الأدب الإنكليزي في الولايات المتحدة، وعادت إلى إيران في مطلع الثورة الإسلامية محمّلة بآمال الإصلاح والتغيير، لكنها اصطدمت سريعًا بواقع مختلف: القيود الاجتماعية، فرض الحجاب، الرقابة على المناهج، وتحوّل الجامعات إلى ساحات أيديولوجية أكثر منها مؤسسات معرفية. داخل هذا السياق بدأت نفيسي رحلتها كأستاذة جامعية تسعى إلى تعليم طلابها الأدب الغربي، لكن الأدب لم يكن مادة دراسية وحسب، بل بوابة إلى الحرية.
المذكرات التي دوّنتها لاحقًا في كتابها الأشهر «قراءة لوليتا في طهران» (Reading Lolita in Tehran, 2003) شكّلت شهادة على تلك الحقبة. في هذا الكتاب، الذي سرعان ما تصدّر قوائم المبيعات في الغرب، والذي صدر باللغة العربية بترجمة الشاعرة العراقية ريم قيس كبة عن دار الجمل عام 2009، وصفت فيه نفيسي لقاءاتها الأسبوعية مع مجموعة صغيرة من الطالبات في منزلها في تجمع من نوع أندية الكتاب المنتشرة في العالم. كنّ مجموعة فتيات من طالبات نفيسي يجتمعن سرًا لقراءة أعمال مثل «لوليتا» لفلاديمير نابوكوف و«غاتسبي العظيم» لفيتزجيرالد، و«مدام بوفاري» لفلوبير، و«دعوة إلى حفل قطع الرأس» لهنري جيمس. هذه النصوص، التي كانت تبدو بعيدة جغرافيًا وثقافيًا، تحوّلت في أيديهن إلى مرايا تكشف القمع الممارس على أجسادهن وأحلامهن في طهران الثمانينيات والتسعينيات.
عيران ريكليس ورؤيته السينمائية
وفي الحديث عن فيلم «قراءة لوليتا في طهران» يجب التوقف عند مسيرة مخرجه عيران ريكليس، أحد أبرز الأسماء في السينما الإسرائيلية المعاصرة. وُلد ريكليس عام 1954 في القدس، ودرس السينما في معهد «بيزالييل» للفنون وفي كلية السينما في لندن، ليبدأ بعدها مشوارًا طويلًا امتد لعقود، اتسم دائمًا بجرأة فنية ورغبة في استكشاف التوترات السياسية والإنسانية في الشرق الأوسط.
اشتهر ريكليس عالميًا من خلال أفلام مثل «عروس من سوريا 2004» و«شجرة الليمون 2008». في الأول، قدّم صورة مأساة إنسانية عن الحدود بين وسوريا والجولان المحتل من خلال حكاية زواج مستحيل. وفي الثاني، تناول قصة أرملة فلسطينية تواجه عسف الدولة الإسرائيلية وهي تدافع عن بستان ليمون ورثته عن زوجها. في كلا الفيلمين بدا واضحًا ميله إلى استخدام قصص فردية حميمة لتسليط الضوء على قضايا سياسية كبرى، وهو ما أصبح علامة مميزة في أسلوبه الإخراجي.
في فيلم «قراءة لوليتا في طهران»، يستعيد ريكليس هذا التوازن بين الحكاية الشخصية والبعد السياسي، لكن في سياق مختلف تمامًا: إيران ما بعد الثورة الإسلامية. فالفيلم ليس مجرد نقل لتجربة أذر نفيسي وذكرياتها، بل هو محاولة لتجسيد اللحظة التاريخية التي تحوّل فيها الأدب الغربي إلى مادة خطرة، وإلى فعل مقاومة في مجتمع تُحاصر فيه الحرية الفردية والفكرية. من هنا، حاول المخرج أن يمزج بين عالم الداخل- بيت نفيسي الذي احتضن جلسات القراءة السرية- وعالم الخارج، أي الشوارع والجامعات التي اجتاحتها شعارات الثورة وقيودها.
لم يكتف ريكليس بالمنظور الخارجي، بل اختار أن يمنح السرد مصداقية أكبر عبر الاستعانة بممثلين إيرانيين يعيشون في المنفى، مثل غولشيفته فرهاني وزار أمير إبراهيمي، وهما ممثلتان تحملان في سيرتهما الشخصية صدى تجربة المنفى والقطيعة مع الوطن. هذا الخيار لم يكن مجرد تقنية إخراجية، بل قرار جمالي وسياسي في آن واحد؛ إذ أضفى على الفيلم بعدًا وجدانيًا أصيلًا، وسمح بأن يأتي الأداء مشحونًا بذاكرة شخصية تتقاطع مع ذاكرة نفيسي ذاتها.
عيران ريكليس، بهذا الفيلم، يواصل مشروعه الذي يقوم على البحث عن إنسانية مشتركة وسط جغرافيا مليئة بالانقسامات والحدود والرقابة. وكما جعل من «بستان الليمون» رمزًا للمقاومة في فلسطين، ومن «العروس السورية» رمزًا للمأساة في الجولان، جعل من «قراءة لوليتا في طهران» شهادة على قوة الأدب حين يصبح وسيلة للبقاء، وعلى قدرة السينما على ترجمة الحكايات الفردية إلى لغة إنسانية تتجاوز حدود المكان والزمان.
ظروف الإنتاج
لم يكن من الممكن لفيلم «قراءة لوليتا في طهران» أن يُصوَّر في إيران نفسها، لأسباب سياسية بديهية تتعلق بالرقابة والرقابة الذاتية على حد سواء. لذلك تم تنفيذ العمل السينمائي الذي يسعى إلى إعادة تمثيل إيران الثمانينيات من الخارج، ولكن بقدر كبير من الحرص على الدقة والصدق البصري. واعتمد ريكليس على فضاءات مغلقة وديكورات داخلية لتعويض غياب الموقع الحقيقي، فجاءت البيوت والفصول الدراسية بمثابة فضاءات رمزية تحمل عبء الحكاية، بينما ساعدت الملابس والإضاءة على استعادة الجو الخانق لطهران في مرحلة ما بعد الثورة.
ورغم هذا البُعد المكاني، فقد حقق الفيلم حضورًا قويًا على الساحة الدولية. عُرض لأول مرة في مهرجان روما السينمائي في تشرين الأول/أكتوبر 2024، حيث فاز بجائزة الجمهور والجائزة الخاصة للجنة التحكيم، ما أكد أن موضوعه يتجاوز الطابع المحلي ليطرح أسئلة إنسانية أوسع. ثم توالت مشاركاته في مهرجانات عالمية مثل Tallinn Black Nights في إستونيا و Palm Springs و Nantucket في الولايات المتحدة، قبل أن يبدأ رحلته في دور العرض الأوروبية والشرق أوسطية خلال عام 2025، مكتسبًا بذلك مكانة فيلم يزاوج بين البعد الفني والحساسية السياسية.
أبطال الفيلم
إحدى نقاط القوة في «قراءة لوليتا في طهران» تكمن في اختياراته التمثيلية. فقد جسّدت غولشيفته فرهاني شخصية أذر نفيسي بقدرة لافتة على الجمع بين الصرامة الأكاديمية التي تفرضها شخصية أستاذة الأدب، والحنان الإنساني الذي يجعلها ملاذًا لطالباتها في عالم من القمع والرقابة. أما زار أمير إبراهيمي، فقدّمت صورة مكثفة لمعاناة المرأة الإيرانية بين قيود المجتمع وشوقها للحرية، فجاء أداؤها مشبعًا بالتوتر الداخلي والتمرد الصامت. وفي المقابل، أضافت مينا كفاني حضورًا صاخبًا بدور الطالبة المتمرّدة، لتجسد الوجه الآخر للجرأة النسائية في مواجهة السلطة الأبوية والدينية.
العرض والنقد
يتميز فيلم «قراءة لوليتا في طهران» بقدرته على الإمساك بالخيط الإنساني الذي يربط الأستاذة بطالباتها، إذ يقدّم العلاقة بينهنّ بوصفها فضاءً حميميًا يجد فيه الأدب موقعه الطبيعي كمساحة للحرية والخيال. في لحظات القراءة المشتركة، يتكثف الإحساس بأن النصوص الغربية، المحظورة رسميًا، تتحول إلى أدوات بقاء ومقاومة في مجتمع ضيّق الخناق على أفراده، خاصة النساء.
ومع ذلك، لا يخلو الفيلم من ثغرات. فقد أشار بعض النقاد، مثل صحيفة El País، إلى أن العمل يقع أحيانًا في فخ الخطابية المفرطة، فينزلق إلى خطاب تعليمي مباشر يقلل من قوته الدرامية. كما أن تصوير إيران من الخارج، عبر عدسة مخرج إسرائيلي وإنتاج أوروبي، يطرح إشكالية المسافة التاريخية والثقافية؛ إذ قد تبدو بعض المشاهد وكأنها تنظر إلى الداخل الإيراني من نافذة بعيدة، ما يخلق فجوة بين الواقع المعاش والإطار السينمائي. يضاف إلى ذلك ميل الفيلم إلى التركيز على السيرة الفردية لأذر نفيسي ونخبة طلابية محدودة، في حين ظلّت الفئات الاجتماعية الأوسع على هامش الصورة، ما قلّل من شمولية الطرح التاريخي.
يبقى «قراءة لوليتا في طهران» عملًا سينمائيًا يتجاوز كونه اقتباسًا أدبيًا، ليصبح محاولة لإعادة كتابة الذاكرة الإيرانية من منظور الفن السابع. إنه فيلم عن قوة الأدب في مواجهة القمع، وعن النساء اللواتي وجدن في القراءة فعل مقاومة يومية. ورغم ما يُؤخذ عليه من ميل إلى الخطابية أحيانًا، ومن مسافة فاصلة بين التجربة الداخلية والتجسيد الخارجي، فإن العمل يستحق المشاهدة والنقاش، لأنه يعيد طرح الأسئلة التي لا تفقد راهنيتها: أسئلة الحرية، الرقابة، والهوية الثقافية في مجتمعات تبحث عن صوتها وسط العاصفة.
