لم يكن من قبيل المصادفة أن تتحول منصات التواصل الاجتماعي التابعة للنشطاء الإسرائيليين إلى ساحة صخب مليئة بالإساءات الرخيصة عقب القمة العربية الإسلامية الاستثنائية التي احتضنتها العاصمة القطرية الدوحة، فالقمة لم تكن اجتماعا بروتوكوليا عابرا، بل لحظة فارقة جمعت القادة العرب والمسلمين على كلمة سواء في مواجهة العدوان الإسرائيلي المستمر على فلسطين، ورسالة قوية بأن وحدة الصف ما زالت قادرة على فرض نفسها وفي قلب هذه اللحظة الاستثنائية جاءت كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي التي حملت رسائل صريحة بالرفض القاطع لكل محاولات تصفية القضية الفلسطينية، وأكدت أن استقرار المنطقة لن يتحقق دون حل عادل يقيم الدولة الفلسطينية المستقلة.
هذه الرسائل أربكت الاحتلال وفضحت خطابه المزدوج، فاختار أن يرد عبر أبواق مأجورة ونشطاء افتراضيين وظيفتهم إطلاق سيل من الإساءات ضد الرموز والشخصيات العربية، ولم تكن حملات التشويه سوى الوجه الآخر للعجز، إذ عجزت إسرائيل عن مواجهة قوة الموقف العربي الواضح الذي تجسد في قمة الدوحة، فلجأت إلى أداة قديمة متآكلة وهي الشتائم والسخرية.
إن الهجوم المنظم الذي قاده النشطاء الإسرائيليون يكشف حجم التأثير الذي أحدثته القمة، ويؤكد أن الكلمة الصادقة قادرة على هز أركان دعاية الاحتلال أكثر من أي سلاح فحين يقف الرئيس المصري من فوق منبر القمة ليعلن بوضوح أن لا سلام دون فلسطين، وأن الاعتداء على سيادة قطر اعتداء على كل العرب، تتكشف أمام العالم صورة جديدة من القيادة والزعامة وهذه الصورة كانت كافية لتصيب الاحتلال بحالة من الهستيريا دفعته لتوجيه أبواقه نحو الرموز العربية، في محاولة بائسة لإضعاف وقع الخطاب المصري والقطري داخل القمة.
لقد جاءت قمة الدوحة لتعيد للعرب والمسلمين ثقتهم في قدرتهم على توحيد الصفوف، ولتؤكد أن السيادة العربية ليست ساحة مفتوحة للانتهاكات الإسرائيلية وكان من أبرز مخرجاتها بروز التنسيق المصري–القطري كعامل حاسم في إدارة الموقف العربي، فقد وقفت القاهرة والدوحة على قلب رجل واحد، وأكدتا أن التضامن ليس شعارا مؤقتا بل خيار استراتيجي لمواجهة التحديات، هذا الاصطفاف بين مصر وقطر لم يرق لإسرائيل التي بنت دعايتها لعقود على اللعب بورقة الانقسام العربي، فجاءت الإساءة كدليل إضافي على قلق الاحتلال من هذه الوحدة.
الإساءات التي طالت الرموز العربية ليست إلا شهادة نجاح لقمة الدوحة، لأنها أثبتت أن الخطاب العربي الموحد قادر على إرباك خصومه وإجبارهم على الارتداد إلى أدواتهم الرخيصة وحين يصبح الشتائم والسخرية وسيلة الرد الوحيدة، فإن ذلك يعكس بوضوح فشل الخطاب الصهيوني في مواجهة الحقائق التي طرحها القادة العرب وفي مقدمتهم الرئيس السيسي.
إن أبواق الدعاية الصهيونية لا تمتلك سوى التشويه، لكنها تعجز عن تقديم رواية مقنعة أمام العالم وهذا ما ظهر جليا بعد قمة الدوحة، حيث اكتفى النشطاء الإسرائيليون بالهجوم عبر حساباتهم الإلكترونية، في مشهد بائس يفضح هشاشة دعايتهم وحاولوا تصوير القمة على أنها مجرد اجتماع شكلي، لكن كثافة هجومهم على الخطاب المصري جعلت من القمة حدثا مضاعفا التأثير، وأكدت أن الاحتلال نفسه يدرك خطورتها على استمراره في فرض روايته المزيفة.
إن الرد الحقيقي على هذه الإساءات لا يكون بالانشغال بها، بل بمواصلة تعزيز الخطاب العربي المشترك، وتكريس التنسيق بين الدول العربية حتى تصبح محاولات التشويه مجرد صدى باهت لا يؤثر في مسار الأحداث، فقمة الدوحة جسدت لحظة نادرة من الاصطفاف العربي والإسلامي، وأكدت أن مواجهة العدوان الإسرائيلي لا تكون فقط بالسلاح، وإنما أيضا بالكلمة الصادقة والموقف الموحد.
في النهاية، يمكن القول إن أبواق النشطاء الإسرائيليين، مهما علا صراخها، لم تستطع أن تطمس حقيقة أن قمة الدوحة كانت علامة فارقة في اللحظة السياسية الراهنة وان الإساءات الرخيصة لم تضعف من قيمة القمة العربية الإسلامية بل زادت من بريقها، وأكدت أن الكلمة التي تخرج من قلب الحق تظل أقوى من كل محاولات التشويه وحين يتحول الهجوم الصهيوني إلى شهادة نجاح، ندرك أن العرب اليوم أمام لحظة جديدة يمكن أن تعيد لهم زمام المبادرة، وأن قمة الدوحة ستبقى شاهدا على أن وحدة الصف العربي قادرة على إسقاط كل دعايات الاحتلال مهما اشتدت.
