محمد عبد الرحيم

القاهرة ـ «القدس العربي»: «مساحة مختلفة» عنوان المعرض المقام حالياً في غاليري (ياسين)، وهو ما اعتاد تقديمه كمجموعة الصيف، إضافة إلى بعض الأعمال الأخرى.
في هذه النسخة الرابعة من المعرض نطالع العديد من التجارب التشكيلية المتنوعة، ما بين التصوير والنحت والغرافيك والخزف، كذلك الأساليب والمدارس الفنية المختلفة التي نفذ الفنان أعماله من خلالها.

المادة والعمل الفني

اللافت في بعض الأعمال ـ النحت والخزف بالأساس ـ هو معالجة الفنان للمادة وتشكيلها، بل وتطويعها وفق أسلوبه ورؤيته. نجد ذلك في أعمال كل من، إنجي عمارة، جمال عبد الناصر، زاهد تاج الدين، محمد الفيومي، وهاني السيد. وفي مُجمل هذه الأعمال هناك حالة من التواصل مع الروح المصرية، وأعلام فن النحت المصري، كالأيقونات الفرعونية كما في عمل إنجي عمارة، أو التذكير بأعمال محمود مختار، كما في عملي الفنانين جمال عبد الناصر ومقارنته بـ(مستهتر) محمود مختار، أو الفنان هاني السيد، الذي يقترب في رؤيته من فلاحات مختار أيضاً. إلا أن الأمر لا يعدو استلهاماً من مختار وعالمه.


أما الفنان محمد الفيومي، فيستمر في تنفيذ أعماله التي تجسد حالات الإنسان المصري المختلفة، ولحظاته من التفكير والتأمل، من خلال شخصيات عادية تشبه الأغلبية من المصريين، ومن هنا يتسم العمل بالجمال وفق معايير مغايرة عن المتفق عليها، فالأجساد ثقيلة، ودائماً وكأنها منفصلة عما حولها، كذلك تتمثل في كتلة واحدة خالية من الفراغات، أشبه بالفن المصري القديم، ولكن في شكل معاصر يقترب ويعبّر عن الشخصية المصرية الآن، إضافة إلى أن اسم العمل (أبو سويلم) وهو شخصية الفنان محمود المليجي الشهيرة في فيلم (الأرض)، الفلاح/المواطن المصري الذي يعاني ولم يزل من السلطة وموبقاتها، أياً كان شكلها، وأياً كان مُمَثلها. وفي هذا العمل بالتحديد، ومعظم أعمال الفيومي لا ينفصل الاجتماعي والسياسي عن الفني، فالعمل لا ينشأ في فراغ، ولا يتمثل في تجربة بصرية تسعى وراء الشكل دون المعنى.

التصوير

أما أعمال التصوير على اختلافها من حيث المدارس والأسلوب، فلم تكن على مستوى أعمال النحت، من حيث الموضوعات ومدى ارتباطها بسياق اجتماعي، يُعبّر عن الروح المصرية، فبعض الأعمال تغرق في التغريب والتهويم، وتقليد النماذج الغربية لمجرد التقليد ليس أكثر، إلا أن بعضها الآخر جاء معبّراً وامتداداً للفن المصري المعاصر، وفي رؤية حديثة، نذكر منها أعمال كل من.. إبراهيم الطنبولي، أحمد رجب صقر، طارق الشيخ، محمد المصري، وياسر جعيصة. فكل هذه الأعمال على اختلاف أساليبها وموادها تدور بين المكان أو الشخصية، وأحياناً الدمج بينهما، كما في لوحة الفنان إبراهيم الطنبولي، التي تشبه رسومات الأطفال والعوالم الغريبة التي لا تجتمع في مكان، ولكنها يمكن أن تجتمع في مخيلة طفل. أما الفنان أحمد رجب صقر فتبدو لوحته عن النساء الراقصات، والتي تمثل أجسادا طبيعية ولكن في شكل راقصات الجداريات الفرعونية، بمعنى جسد مصري حديث في وضعية كاهنات وراقصات المعابد.

  
ومن الشخصيات إلى المكان، الذي يصبح بدوره هو الشخصية الأساس في اللوحة، كما في عمل الفنان ياسر جعيصة، حيث تحتل البنايات الجزء الأكبر من اللوحة، وتبدو الشخصيات وكأنها تسبَح في هذا العالم، أو هذا المكان من القاهرة ـ وسط البلد ـ بما له من ثقل ومكانه في عقل وروح المصريين. هذه البنايات التاريخية التي يطالعها المصريون يومياً وقد أصبحوا جزءاً منها، تؤكد وجودهم وأحوالهم. السمة الأخرى في اللوحة هي قِدَم هذه البنايات، ليس فقط للدلالة التاريخية، فالظلال وتكوين اللوحة نفسه يكشف عن الكثير.. فالشخصيات تسير فرادى، أو في مجموعات قليلة وكأنها تائهة، مقارنة بمساحة الأبيض التي تمثل الشارع، وكذلك الذين ينتظرون على أرصفة هذه الشوارع، فهم لا يُشكلون كتلة واحدة تتوازن وكتلة البنايات الشاهقة، التي تطل عليهم، رغم اللون الذي يضربها. فالشخوص تائهة وتآكل الذاكرة المقصود الذي يعيشه المصري الآن رغماً عنه تعبّر عنه اللوحة في بساطة، دون صخب أو ادعاء.