بيروت ـ «القدس العربي»: تتجه الأنظار اليوم إلى الكباش الحاد الدائر بين «حزب الله» من جهة وكل من رئيس الحكومة نواف سلام ونواب بيروت من جهة أخرى على خلفية إصرار «الحزب» على إضاءة صخرة الروشة بصورة أمينيه العامين السيدين حسن نصرالله وهاشم صفي الدين في إطار إحياء فعاليات الذكرى السنوية الأولى لاستشهادهما، وذلك على وقع مخاوف من احتمالات توجيه إسرائيل ضربة جديدة للبنان بعد تصريحات الموفد الأمريكي توم براك حول أن كل ما فعله لبنان في موضوع حصرية السلاح هو الكلام.
وفي انتظار ما سيحمله هذا النهار من مفاجآت، فإن رئيس الحكومة استقبل قائد الجيش العماد رودولف هيكل واكتفى المكتب الاعلامي لسلام بالقول إن الاجتماع تناول الأوضاع العامة.
غير أن البحث لا بد أنه تناول ما يمكن أن يتخذه الجيش اللبناني من إجراءات في منطقة الروشة وواجهتها البحرية لمنع أي مخالفة للقوانين ولعدم استعمال صخرة الروشة لأهداف حزبية اضافة إلى مستجدات خطة الجيش لحصر السلاح. وفي ظل معلومات عن انتشار أمني كثيف ستشهده منطقة الروشة، التقى نواب من «حزب الله» وزير الداخلية أحمد الحجار وبحثوا معه في الترخيص لإقامة وقفة في محلة الروشة وأطلعوه على تقديم طلب الاستحصال من محافظ بيروت مروان عبود على ترخيص لتجمع على الكورنيش البحري مقابل صخرة الروشة لإحياء ذكرى الأمينين، وقد وضع وزير الداخلية رئيس الحكومة في أجواء الاجتماع. وأفيد بأن محافظ بيروت أعطى الإذن للوقفة حفاظاً على الحريات العامة وحرية التجمع شرط الالتزام بعدم قطع الطريق وعدم عرقلة السير والحفاظ على الممتلكات وعدم إنارة صخرة الروشة وعدم بث صور ضوئية عليها وألا يتعدى عدد المتجمعين 500 شخص وذلك بناء على التعميم الصادر عن الرئيس نواف سلام.

تحدي الدولة؟

واستهجنت أوساط «حزب الله» التقارير التي تحدثت عن «تحدي الحزب للدولة، وتعمّد استخدام لغة التهويل والتخويف من انفلات الشارع على خلفية إقامة هذه الفعالية واستخدام خطاب مناطقي فئوي ومحاولة عزل فئة لبنانية عن العاصمة». وكان البعض شبّه صخرة الروشة ببوسطة عين الرمانة التي شكلت شرارة الحرب الأهلية، وتخوّف من احتكاكات وتوترات في مناطق مختلطة كطريق الجديدة، ورأس النبع والمصيطبة.

قال: حسمنا خيارنا ليكون لبنان أرض حياة وفرح وليس مستنقع حروب

ونفت العلاقات الإعلامية في «حزب الله» صدور بيان عنها بشأن نشاط الروشة، وذلك بعد انتشار بيان باسم الحزب، جاء فيه ما يلي: «إننا في «حزب الله» لطالما كنا حريصين على العيش المشترك وعدم الاحتكاك مع شركاء الوطن، وللأسف طالعنا البعض بأن إضاءة صخرة الروشة بصورة شهيدنا الأقدس تعتبر استفزازاً لأهل المنطقة وانها تتطلب ترخيصاً من البلدية. لذلك وببالغ الأسف نعلن عن نقل موقع فعالية إضاءة صخرة الروشة إلى مكان الاستشهاد المبارك، وذلك نتيجة تعذّر استصدار الترخيص اللازم من البلدية التي تتبعها صخرة الروشة».
وأضاف «لقد بذلنا كل ما في وسعنا للتنسيق مع الجهات المعنية وتأمين التصاريح المطلوبة، إلا أن الإجراءات الإدارية حالت دون إتمام الفعالية في موقعها الأصلي. ويأتي قرار النقل حرصًا على سلامة المشاركين والمنظمين وضمان سير الفعالية وفق القواعد المرعية، مع الحفاظ على مضمون الفعالية وبرنامجها كما كان مخططًا له، مع بعض التعديلات اللوجستية المتعلقة بالموقع الجديد». وختم «ندعوكم يا أشرف الناس أهلنا والإعلاميين للحضور بكثافة وفاءً لدماء شهيدنا الأقدس كما نشكر كل الجهات والأفراد الذين تعاونوا معنا ونؤكد التزامنا بالقوانين التي تحفظ وطننا».

عون أمام الأمم المتحدة

وركّز الرئيس اللبناني العماد جوزف عون في كلمته أمام الجمعية العومية للأمم المتحدة على دور لبنان وفضائل السلام والتنمية وحقوق الإنسان… وقال «علمتني التجربة اللبنانية، كما تجارب منطقتنا والعالم، بأن لا تنمية بلا سلام. فلا نمو في الفوضى. ولا ازدهار وسط الصراعات والحروب. فالسلام هو التربة الوحيدة الصالحة لثمار التنمية. وعلمتنا التجارب نفسها، بأنه كما لا تنمية بلا سلام، أيضاً لا سلام بلا عدالة. ولا عدالة بلا حقوق الإنسان. وفي طليعتها الحق في الحياة بكرامة. فبلا كرامة، لا شيء في الأرض إلا سلام القبور. ولا نمو إلا للفقر والتخلف والعنف والدم. فمنذ قيام هذه المنظمة العظيمة، نص ميثاقها، والذي كان لبنان من موقعيه الأوائل سنة 1945، على ضرورة «أن ننقذ الأجيال المقبلة من ويلات الحرب». وأكد أنه «وسط صراعات الهويات الدينية العالمية، هناك بلد واحد اسمه لبنان، يعيش فيه مسيحيون ومسلمون، مختلفين، لكن متساوين في نظام دستوري، يضمن إعطاء نصف عدد النواب والوزراء للمسيحيين، ونصفه الآخر للمسلمين. ويظهر لبنان نموذجاً فريداً لا مثيل له ولا بديل عنه، نموذج يستحق الحياة. لا بل هو واجب الوجود، من أجل منطقته ومن أجل العالم كله. نموذج سمح لي أنا اللبناني العربي، بأن أكون رئيس الدولة المسيحي الوحيد، من أقصى آسيا حتى شواطئ أوروبا. وأن يكون وطني، لبنان، بلد العلمانية الإنسانية، المدنية والمؤمنة في آن معاً، بلا عقد من أي نوع، ولا فرض أو حظر من أي صنف. نموذج يوجب على كل ملتزم بمستقبل أفضل للبشرية، أن يطرح سؤالين اثنين حياله: أولاً، لماذا هناك واجب دولي وأممي في الحفاظ على هذا اللبنان؟ وثانياً، كيف يمكن تحقيق ذلك؟».

نموذج لبنان

واضاف «أولاً، نعم هناك واجب إنساني في الحفاظ على لبنان. لأنه إذا سقط هذا النموذج في العيش بين جماعتين مختلفتين دينياً ومتساويتين كلياً، فما من مكان آخر على الأرض، يصلح لتكرار تلك التجربة. فإذا زال المسيحي في لبنان، سقطت تلك المعادلة، وسقطت عدالتها. وإذا سقط المسلم في لبنان، انتكست هذه المعادلة أيضاً، وانتكس اعتدالها. وإذا سقط لبنان بسقوط أي من الاثنين، سيكون البديل حتماً، خطوط تماس «شرقية غربية» في منطقتنا والعالم، بين شتى أنواع التطرف والعنف الفكري والمادي وحتى الدموي. لا بل يمكنني الجزم الآن، بأن الكثير من أسباب الحروب المخفية على وطني لبنان، والكثير من أغراضها الخبيثة، كانت لضرب هذا النموذج. ولتبرير شرق مفروز الهويات، مزروع بالعنصريات، ومندلع الحروب أبداً».

كل الأنظار اليوم على صخرة الروشة و«حزب الله» يستهجن عزل فئة عن العاصمة

ورأى عون أنه «إذا كانت للبعض مصلحة في ذلك، فإن مصلحة العالم والبشرية، في سلام دولي، تكمن في العكس تماماً. فنجاح لبنان، يجعل تجربته الحياتية نموذجاً للجميع، وهذه التجربة ـ النموذج، ها هي اليوم تنبض صموداً وطاقة على الحياة ورفض الموت… أما المطلوب لإنقاذه، فهو بكل بساطة، موقف واضح داعم عملياً وميدانياً، لتحرير أرضه، ولفرض سيادة دولته وحدها فوقها، بقواه الشرعية حصراً ودون سواها. وهذا ما أجمع عليه اللبنانيون، منذ إعلان 27 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والذي أقر برعاية مشكورة من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وهذه المنظمة بالذات، كآلية تنفيذية لتطبيق قرار مجلس الأمن 1701. وهو ما أكدنا عليه، في خطاب قسمي الدستوري عند انتخابي رئيساً في كانون الثاني/يناير الماضي. ثم في البيان الوزاري للحكومة اللبنانية في شباط/فبراير الفائت، وصولا إلى مفاوضاتنا مع موفد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، السفير توم باراك، والتي انتهت إلى وضع ورقة لضمان الاستقرار الكامل على أرضنا ما زلنا نلتزم بأهدافها، ونأمل أن يلتزم المعنيون بها، على حدودنا. هذا كل ما يطلبه لبنان، أما الباقي، فدعوني أصارحكم به أكثر، واسمحوا لي أن أفتخر بعض الشيء ببلدي وشعبي… فهما مستحقان».
وإعتبر الرئيس عون «أننا بلد استثنائي فعلاً، وبكل المقاييس.
نحن بلد يستقبل سنوياً، من أبنائه المنتشرين حول العالم، أكثر من ثلث مقيميه. ما يجزم بأن اللبنانيين لن يتركوا وطنهم أبداً. نحن بلد، ما من مشروع كبير في أي من بلدان منطقتنا، إلا وخلفه توقيع لبناني. وما من حدث ثقافي أو فني أو معرفي في منطقتنا، إلا ويحمل بصمة لبناني. وأكاد أجزم، بأن ما من بلد من بلدان هذه المنظمة الكريمة، إلا وفيها لبناني مبدع، أو جالية لبنانية، فاعلة متفاعلة مع مجتمعها الجديد، مندمجة مع أنظمته ومنسجمة مع قوانينه، منتجة خلاقة، وفية لبلدها المضيف، كما لبلدها الأصلي.

وقف الاعتداءات الإسرائيلية

وأشار الرئيس عون إلى «أن لبنان يواصل تحمل أعباء جمة، نواجهها بجدية وبلا مكابرة ولا حالات إنكار.
أولها، استمرار وضع غير مستقر على حدودنا الجنوبية. حيث نطلب وقف الاعتداءات الإسرائيلية فوراً وانسحاب الاحتلال من كامل أرضنا، وإطلاق أسرانا، الذين لن ننساهم ولن نتركهم، وتطبيق القرار 1701 كاملاً وذلك باستمرار تفويض قوات «اليونيفيل» في إطار شراكتها مع الجيش اللبناني، لفرض الأمن والاستقرار، لمرحلة انتقالية.
وفي هذا السياق أجدد الشكر لأعضاء مجلس الأمن على تبنيهم قرار التجديد لتلك القوات، لمساعدتنا على استعادة الأمن والسلم الدوليين. لكن الأسباب العميقة لأزمتنا تلك، تتخطى تلك الحدود. لذلك أقول إن واجبنا الإنساني والأخلاقي والسياسي، يوجب الدعوة إلى وقف فوري للمآسي المرتكبة في غزة، وإحياء مسار سياسي جاد، يفضي إلى حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية،على قاعدة قرارات الشرعية الدولية، ومبدأ حل الدولتين، وحق الدولتين، في الوجود المتزامن الآمن وكرامة الحياة. تماماً كما أقرت جمعيتكم العمومية أخيراً، بغالبية 142 دولة من أصل 164، عبر إعلان نيويورك.
ثاني الأعباء التي يتحملها لبنان راهناً، حالة نزوح على أرضه هي الأكبر في التاريخ، نسبة إلى عدد السكان».
وشدد على «أن رهاننا هنا، على شراكتنا مع الأمم المتحدة ووكالاتها المختصة، وعلى الإخوة في سوريا، في مفاوضاتنا معهم، مباشرة، كما برعاية مشكورة من المملكة العربية السعودية، للتوصل إلى اتفاقات وتفاهمات في مختلف مجالات علاقاتنا الثنائية، تؤدي إلى استعادة سوريا لمواطنيها أعزاء آمنين، واستعادة لبنان وسوريا لعلاقات مميزة وحسن جوار وتعاون متكامل في شتى المجالات بما يتخطى التباسات كل الماضي ويمحوها.
يبقى عبء ثالث، هو إعادة إعمار ما هدمه العدوان الإسرائيلي على لبنان. من بنى تحتية ضرورية لعودة الدولة اللبنانية إلى المناطق الحدودية. ومن منازل وقرى جرفها العدوان، ولا استقرار بلا عودتها بهية أبية.
إضافة إلى توفير المقدرات اللازمة لقواتنا المسلحة الشرعية، للقيام بمهامها في الدفاع الحصري عن أرضنا. وهو ما نعوّل لتأمينه، على المبادرات والتعهدات المعلنة، لتنظيم مؤتمرات دولية مخصصة لذلك».
وختم «الصراع ما زال شرساً بين أن يكون لبنان أرض حياة وفرح، ومنصة لهما إلى منطقته والعالم. وبين أن يكون بؤرة موت ومستنقع حروب، ومنطلقاً لتفشيهما في كل جواره. نحن حسمنا قرارنا، وسنجسد الخيار الأول وننفذه. ندائي لكم: من أجل السلام في منطقتنا، من أجل خير الإنسان، كونوا معنا، لا تتركوا لبنان».

لقاءات قادة

وكان رئيس لبنان أجرى لقاءات في نيويورك مع عدد من قادة الدول العربية والاجنبية بينهم وزير خارجية ألمانيا السيد يوهان فاديفول الذي تناول معه رئيس الجمهورية الدور الفعال للقوة البحرية في «اليونيفيل» التي عملت بحرفية ودقة في سبيل المساعدة على تنفيذ القرار 1701 في شقه البحري.
وتناول البحث الأوضاع في الجنوب في ضوء الأعتداءات الإسرائيلية المتكررة على المدنيين، وكان آخرها مجزرة بنت جبيل، فأشار الرئيس عون إلى ضرورة تحريك المجتمع الدولي لوقف الأعمال العدائية الإسرائيلية واعادة الاستقرار إلى الجنوب وتطبيق القرار 1701 بكافة مندرجاته. وفي هذا السياق، شرح عون للوزير الألماني ملابسات ما يحصل في الجنوب، وعدم التزام أعلان تشرين الثاني الماضي، وعدم انسحاب إسرائيل، على رغم دعوات المجتمع الدولي لوضع حد للتدهور الأمني.
وأشار إلى ان قرار حصر السلاح اتخذته الحكومة اللبنانية ويجري العمل على وضعه حيّز التنفيذ بعد تذليل العقبة الأساسية في وجهه، وهي استمرار الاحتلال الإسرائيلي للتلال الثمانية ولأراض لبنانية أخرى.
ورداً على أسئلة الوزير الالماني، شدد الرئيس عون على أن اللجوء إلى القوة لتنفيذ حصرية السلاح لا يمكن ان يحصل في الوقت الراهن وهو أمر غير وارد في أي حال، لافتاً إلى أنه حريص على المحافظة على وحدة اللبنانيين وعدم حصول ما يؤذي هذه الوحدة.
واجتمع الرئيس عون إلى رئيس جمهورية تشيكيا بيتر بافيل، وأطلعه على الصعوبات التي تواجه لبنان وأصعبها هو استمرار الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب، وتصعيد الاعتداءات على القرى والبلدات الجنوبية، وعدم تنفيذ إسرائيل ما اتفق عليه في تشرين الثاني الماضي برعاية أمريكية فرنسية مشتركة.