مشاركة فاعلة للإمارات بالدورة 80 للجمعية العامة للأمم المتحدة

في ظل تصاعد الأزمات الدولية وتشابك التحديات العابرة للحدود، تعتمد دولة الإمارات العربية المتحدة نهجاً دبلوماسياً متوازناً يقوم على توسيع آفاق التعاون الدولي، وتعزيز العمل متعدد الأطراف كوسيلة رئيسية لمواجهة تحولات النظام العالمي، مع التركيز على ترسيخ الحوار، وتفعيل الشراكات الاستراتيجية، وبناء جسور التواصل بين الشعوب والدول لضمان الاستقرار والتنمية المستدامة.
وتُجسد مشاركة الإمارات في الدورة الثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، برئاسة سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الخارجية، هذا التوجه الاستراتيجي من خلال مساهمة فاعلة في النقاشات الدولية حول السلم والتنمية والاستدامة. وقد أكد سموه أن المرحلة الراهنة تستدعي تحركاً جماعياً مبنياً على الثقة والتكامل، مشيراً إلى أن التعاون الدولي لم يعد خياراً مؤقتاً، بل ضرورة بنيوية لإعادة بناء نظام عالمي قادر على تقديم حلول مستدامة. وتتماهى هذه الرؤية مع دعم دولة الإمارات لمبادرة «UN80»، التي تسعى لإصلاح المنظومة الأممية بما يعزز كفاءتها وفاعليتها، دون الإخلال بمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وشارك سمو الشيخ عبدالله بن زايد في الاجتماع الذي دعا إليه الرئيس الأميركي، مؤكداً ضرورة تفادي الإجراءات الأحادية، والاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وشدّدت دولة الإمارات، في بيانها أمام الجمعية العامة، على التزامها بنهج الحوار وخفض التصعيد، ودعم مساعي السلام العادل القائم على حل الدولتين، مع الدعوة إلى وقف إطلاق النار في غزة، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق سراح الرهائن. 
وقد اتسمت مشاركة الدولة بفاعلية مؤسساتية في ملفات عدة، منها المناخ، والذكاء الاصطناعي، وتمكين المرأة، والتنمية المستدامة، مع إبراز دورها في الوساطة ودعم الاستقرار في مناطق مثل السودان. ويعكس هذا الحضور المتنوع إدراك الإمارات أهمية الاستجابات متعددة المستويات، التي تدمج الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاجتماعية ضمن منظور شامل للأمن الإنساني، يُعيد تعريف الاستقرار كنتيجة للتنمية، لا مجرد حالة أمنية.
وفي سبيل تحقيق هذه الأهداف، نظّمت دولة الإمارات اجتماعاً رفيع المستوى جمع قيادات اقتصادية عالمية لمناقشة فجوة التمويل التنموي المقدرة بنحو 4 تريليونات دولار سنوياً. وركّزت النقاشات على بناء أطر جديدة لتوجيه رؤوس الأموال نحو مشاريع تنموية طويلة الأمد، مع تعزيز دور الاستثمار في إنتاج الاستقرار. ويعكس هذا التوجه الأداء الاقتصادي الإماراتي المتصاعد، حيث تجاوزت التجارة الخارجية غير النفطية 815 مليار دولار في 2024، بمعدل نمو سنوي 14.6%، مما يعزّز موقع الإمارات كمركز محوري في سلاسل القيمة العالمية.
يتكامل هذا البعد الاقتصادي مع نشاط سياسي مكثف، حيث أجرى سمو الشيخ عبدالله بن زايد سلسلة لقاءات ثنائية مع وزراء خارجية وممثلي منظمات دولية، ركّزت على توسيع الشراكات الثنائية في مجالات استراتيجية تشمل الطاقة والتعليم والتكنولوجيا. ويمثّل هذا الانفتاح نموذجاً دبلوماسياً مرناً يبتعد عن الاصطفافات الجيوسياسية، ويعتمد على علاقات أفقية قائمة على المصالح المشتركة والابتكار في التعاون الدولي.
كما أقام سمو الشيخ عبدالله بن زايد حفل استقبال رسمياً على هامش أعمال الجمعية العامة، حضره عدد من رؤساء الدول والحكومات ووزراء الخارجية وكبار مسؤولي المنظمات الدولية، حيث أكد في كلمته أن الإمارات تنظر إلى الشراكات الإيجابية كركيزة لدعم التنمية وتمكين الشعوب من العيش في بيئة يسودها السلام والاستقرار والتسامح.
وعلى الصعيد الإنساني، تأتي الاجتماعات مع قيادات منظمات الإغاثة والبرامج الأممية، وعلى رأسها برنامج الأغذية العالمي، كامتداد للنهج الإماراتي في دعم المجتمعات الإنسانية وتعزيز القدرة على الاستجابة للأزمات. وتعكس هذه المقاربة استخداماً ممنهجاً لأدوات القوة الناعمة، التي تجاوزت الدعم المباشر لتؤسس شراكات تضمن استدامة الأثر وتوسيع دائرة التأثير الإيجابي.
ويمكن القول إن دولة الإمارات تقدم من خلال هذه المشاركة نموذجاً دبلوماسياً متوازناً يمزج بين المبادئ والبراغماتية، ويسعى لإعادة تعريف التعددية كأداة إنتاج سياسي، لا مجرد إطار بروتوكولي. ويُظهر هذا النهج قدرة الدولة على استخدام أدواتها السياسية والاقتصادية والإنسانية بشكل تكاملي لبناء شبكة علاقات دولية مرنة تسهم في إعادة تشكيل التوازنات الجيوسياسية بمعادلات أكثر شمولاً وعدالة، بما يعزّز موقعها العالمي القائم على الفاعلية والتأثير المستدام.

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.