
بغداد – «القدس العربي» : منذ اللحظة الأولى، يُشعرك فيلم «ضي» (سيرة أهل الضي) للمخرج المصري كريم الشناوي، الذي فاز بجائزة أفضل فيلم روائي طويل في مهرجان بغداد السينمائي (15 سبتمبر/أيلول إلى 21 سبتمبر 2025) أنّك لا تتابع مجرد قصة طفل يسعى وراء حلمه الغنائي، بل تدخل عالماً أكثر اتساعاً: عالم البقاء وسط واقع صعب، والحفاظ على الهوية في مواجهة قسوة النظرات والأحكام.
الفيلم الذي شارك في مهرجان برلين السينمائي 2024 وحصد اهتمام النقاد والجوائز في محافل أخرى، يقدّم مثالاً نادراً على قدرة السينما المصرية المعاصرة على نسج الحكاية الفردية، بالبعد الرمزي والوطني والإنساني في آن واحد.
المثير في الفيلم أنّ رحلة البطل، وهو صبي يدعى ضي (بدر محمد، في أداء مؤثر)، ليست مجرد رحلة فردية من جنوب مصر في النوبة إلى العاصمة القاهرة في الشمال، بل تكشف أيضا تناقضات المجتمع بأسره وتحامله، وطيبته والخير داخل أبنائه أيضا. ضي صبي مختلف، فهو ليس فقط صبياً يشدو ويغني بصوت جميل، بل يختلف شكلاً عن غيره من أقرانه. ضي صبي أمهق، ناصع البياض نتيجة نقص مادة الميلانين التي تعطي الجلد لونه وتحميه من الضرر الناشئ عن ضوء الشمس الساطع. اختلافه شكلاً ولوناً عن مجتمع تغلب عليه سُمرة البشرة جعله هشّاً أمام مجتمع سريع في إطلاق الأحكام، لكن صوته الغنائي النادر يضعه في موقع النور، كأنّ الجسد المقهور يحمل داخله ما لا يُقهر.

نرى ضي في مواقف صامتة أكثر مما نسمعه يتكلم، هذا الصمت ليس عجزاً، بل طريقة لقول ما لا يُقال. عيناه، اللتان تتهرّبان من المواجهة، تحملان دائماً أسئلة عن هويته، وعن معنى أن يحلم وهو محاصر بالتمييز. هكذا يصبح ضي أقرب إلى استعارة حيّة: الفرد المختلف الذي يبحث عن الاعتراف في مجتمع يقدّس التشابه. لتحقيق حلمه في المشاركة في برنامج شهير لاكتشاف المواهب الغنائية يقرر ضي السفر إلى القاهرة، مصحوباً بمعلمته للموسيقى التي آمنت بموهبته، وأخته وأمه (إسلام مبارك في أداء مميز) التي طالما كانت تخشى عليه من قسوة المجتمع والحياة فجعلته حبيس الدار لا يغادرها.
السرد يضع العائلة في مسار شاق من أسوان إلى القاهرة، رحلة لا تتجاوز يومين زمنياً لكنها تعادل عمراً من اللقاءات والمصادفات، فيها من يرغب في المساعدة حقاً ومن يقسو ولا يبالي. هذه الرحلة هي الامتحان الحقيقي لشخصية ضي. فالمسافة المكانية ليست سوى انعكاس للمسافة النفسية: من الانطواء إلى المواجهة، من الارتباك إلى محاولة اكتشاف الذات. المشاهد التي يُقرر فيها ضي المواجهة والغناء مع قدوته ونجمه المفضل، محمد منير، والتي يغني فيها في استوديو التلفزيون في برنامج شهير، لا تقل أهمية عن مشاهد الطريق المتعبة، لأن الاثنين معاً يكشفان عمق معضلته. في لحظة الغناء، يتجلّى نوره الداخلي، لكن سرعان ما يعود إلى موقعه كطفل غريب في عيون الآخرين. التوتر بين الحلم والواقع هو ما يشحن الشخصية بطاقة درامية متواصلة.
اختيار المخرج أن تدور الأحداث في فترة زمنية ضيقة (48 ساعة)، أكسب السرد تكثيفاً. هذا الضغط الزمني انعكس على الشخصية نفسها: كل فعل، كل نظرة، يصبح محمّلاً بثقل أكبر. لم يُترك لضي ترف التدرج البطيء؛ بل وُضع في قلب العاصفة منذ البداية، وهذا ما جعل تطوره النفسي أكثر حدة. لغة الصورة حافظت على هذا التوازن. المشاهد القريبة لوجه ضي تعرّي هشاشته، بينما المشاهد الواسعة للطريق والمواصلات تكشف هشاشته أمام عالم قاسٍ. موسيقى الفيلم وأغانيه هي امتداد لشخصية ضي، كل مرة يغني فيها ضي نسمع ما هو أبعد من الصوت: نسمع احتجاجاً داخلياً على الظلم، ونسمع أيضاً توقاً طفولياً للانتماء، نسمع أيضاً حبه لبلاده النوبة. ضي ليس مجرد بطل طفل. إنّه مرآة لجيل كامل من المهمّشين، ومن يواجهون التمييز في مصر، وأبعد من مصر. هويته النوبية، اختلاف مظهره الجسدي، وفقر عائلته، كلّها عناصر تحمله خارج مركز المجتمع. ومع ذلك، فإن موهبته الغنائية تعيد إدخاله من باب آخر: باب الاعتراف بالفرد المختلف. بهذا المعنى، ضي يمثل سؤالاً عن معنى «القبول». هل يقبل المجتمع المختلف حين يكون موهوباً فقط؟ وهل تُختزل الهوية الإنسانية كلها في قدرة على إبهار الجمهور؟ هذه الأسئلة تجعل من شخصيته رمزاً يتجاوز حدود الحكاية، وتحوّل الفيلم إلى عمل نقدي اجتماعي بامتياز.
العائلة ليست مجرد مرافقة جسدية في الرحلة، بل هي الإطار الذي يُعيد تشكيل شخصية ضي باستمرار. الأم مثلاً تتأرجح بين الخوف عليه والرغبة في حمايته، والأخت تبدو لبرهة لا تبالي بضي، لكن يتضح لنا مدى حبها له. هذه الشخصيات ليست مكتملة الأبعاد، لكنها تكفي لتذكير المشاهد بأن ضي ليس وحده في المعركة، وأنّ كل فرد في العائلة يواجه «أزمته الصغيرة» في موازاة أزمته الكبرى. غير أن حضور العائلة لا يلغي شعور ضي العميق بالعزلة. هو محاط بالآخرين، لكنه يظل مختلفاً، وكأنّ غربته قدر لا يُلغيه التضامن الأسري.
لكن للفيلم مواطن ضعفه أيضاً: أحياناً يكون الإيقاع بطيئا، وأحياناً تبدو الشخصيات الثانوية مجرد وظائف درامية أكثر من كونها كائنات حية. غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من الأثر الكلي، بل ربما تؤكد أنّ الفيلم أولاً وأخيراً أراد أن يضع ضي في المركز، وأن يجعل كل ما حوله مجرد خلفية لصراعه.
ما يتركه ضي في ذهن المشاهد بعد انتهاء الفيلم ليس مجرد صورة طفل مغنٍّ، بل سؤال: ماذا لو كنّا مكانه؟ كيف نواجه أحكام المجتمع إذا ولدنا مختلفين؟ وكيف نحتفظ بأحلامنا في واقع يستهلكنا بسرعة؟
جعلنا هذا الطفل ندرك أن الضوء قد يولد من الهشاشة، وأنّ الفن يمكن أن يكون تعويضاً عن ظلم العالم، وأن الحلم وإن بدا صغيراً قد يحمل معنى أمة بأكملها.
