محمد عبدالسميع
تشتهر إمارة رأس الخيمة باهتمامها المتحفي والأثري، نظراً لما تشتمل عليه من قطع أثرية وإثنولوجية في متحفها الوطني، كمجموعات قيّمة تثير شهيّة وانتباه الباحثين والزوّار على قراءة الفترات التاريخية والحضارات المتقدمة الضاربة في جذور التاريخ لهذه المنطقة من دولة الإمارات العربية المتحدة، وكذلك قراءة المتحف والقلعة، والتصميم اللافت لعرض المحتويات فيه، وهو ما يعكس اهتماماً كبيراً بتاريخ الدولة، والاحتفاء بالعمارة ذاتها بأن يكون هذا المتحف صورةً عن كلّ ما يمثّله هذا التاريخ العريق.

وتشير الدراسات إلى تلك الحضارات والتجارة الرائجة، وهي بحسب الاكتشافات الأثرية، وجدت قبل الميلاد ب 5000 عام، وهذا بحدّ ذاته مؤشرٌ مهمّ على كون المنطقة آهلة بالسكان في فترات زمنية قديمة، وأيضاً حين يقال إنّ في رأس الخيمة ما يزيد على 1000 موقع وقطعة أثرية منتشرة في أنحاء الإمارة، فهذا مُشجّع على مزيد من الاكتشافات والقراءات.
وتُعتبر رأس الخيمة بمثابة حلقة وصل تجاريّة مع بلاد الرافدين، في الفترة من 5500 ق.م إلى 3800 ق.م، كما كان سكان رأس الخيمة أنفسهم يذهبون إلى الهند والصين وزنجبار في القرن العاشر، استناداً إلى ما تزوّدنا به هذه الدراسات والأبحاث.

وحين نتحدث عن «المتحف» و«القلعة» القديمة في رأس الخيمة، والتي كانت مقراً للأسرة الحاكمة، وهي أسرة القواسم، وأنها قلعة دُمّرت مرتين، أيام البرتغاليين، وأيام البريطانيين، وفي فترة الستينيات، 1964م، انتقلت أسرة القواسم إلى قصر جديد، وبقيت القلعة حصناً مهمّاً وأثراً استراتيجياً ذا دلالة في تاريخ دولة الإمارات، إذ أصبحت مقراً للشرطة، قبل أن تتحول سنة 1987 إلى متحف عام، خصوصاً وقد كانت غنيةً في هندستها وذات معمار مهمّ، وتحمل تفاصيل تاريخية وأثرية وإثنوغرافية، وتكونت من كُتل وأحجار مرجانية، وتمتاز ببرودتها في الصيف ودفئها في الشتاء.
واللافت في متحف رأس الخيمة الوطني مناسبة صالته للعرض ومرور الزوار والاكتشافات، بما يعود إلى أوائل المستوطنين قديماً حتى أواخر العصر الإسلامي، كعرض إثنوغرافي تفاعلي للحياة التقليدية في الإمارات، في الغوص وصيد اللؤلؤ وزراعة التمور وصيد الأسماك والزراعة والأعمال القديمة، وقد تبرّعت عائلة القواسم للمتحف بالعديد من القطع الأثرية ليزورها السياح من مختلف أنواع العالم، بما عُرف عن إمارة رأس الخيمة من جمال التضاريس الطبيعية والسهول والجبال والينابيع الكبريتية، مع وجود المرافق الترفيهية والفنادق، وغير ذلك من المستلزمات الضرورية للسياحة، حتى أصبح المتحف اليوم من المعالم السياحية البارزة في الإمارات.

قلعة تاريخية
يقع المتحف، كقلعة تاريخية قديمة، بالقرب من مسجد محمد بن سالم، وقد شُيّدت القلعة في فترة الحملة البريطانية الثانية على رأس الخيمة آنذاك، حيث اشتملت القلعة على أبراج للمراقبة.
ويشتمل متحف رأس الخيمة الوطني على قطع أثرية نادرة تعود إلى 5000 سنة قبل الميلاد، وفخاريات وقطع معدنية تمثّل نمط حياة عصر الإنسان الأول حتى الفترات اللاحقة، مثل الفترات الإسلامية وما بعدها، كما أنّ هناك معرضاً فنياً سنوياً يقام بالمتحف الكائن في شارع الحصن بالقرب من السوق الكويتي، لعرض لوحات وأعمال فنية تعود لعصور قديمة.
كما تتكوّن أقسام متحف رأس الخيمة الوطني من أربعة معارض هي: التاريخ الطبيعي، والآثار القديمة، والتراث، وغرفة القواسم، حيث تضم غرفة القواسم الوثائق والمخطوطات الموجودة بالمتحف، والتي تعرض تاريخ القلعة وغيرها من المعلومات التاريخية التي تعود إلى فترة الهجوم البريطاني على القواسم.

وجهٌ حضاري
متحف رأس الخيمة الوطني، مَعْلَم مهم من معالم الأثر التاريخي في الإمارات، وهو يعدّ شاهداً في كل نشاط ثقافي واحتفال وطني، ذلك لأنه وجهٌ حضاري لمنطقة كان لها تنافذاتها على ما حولها من البلدان والحضارات والشعوب، ولأنّه يعتبر مهاداً ضرورياً للباحثين والأكاديميين والمستشرقين في دراسة تاريخ المنطقة وارتباطها الحضاري الإنساني، خصوصاً أنّ مواقع أثريّة مهمة في الدولة أدرجت على قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو، كاحتفاء بالعناصر التراثية الثقافية والمواقع الأثرية المسجلة عالمياً، فهي دعوة للأجيال لقراءة التاريخ وتأكيده في نفوسهم، والتجوال في صالة المتحف ومقتنياته ومشتملاته يعكس ذلك التاريخ العريق العابق بالحياة.
