كل عام، قبل إعلان الفائز بجائزة نوبل للأدب، تتكثّف الترشيحات العربية التي تتمنى فوز أديب آخر بعد نجيب محفوظ، وتتجه الأنظار مجددًا إلى الشاعر السوري الكبير أدونيس. لكن في كل عام تتكرر خيبات الأمل، فلا يفوز أدونيس، ولا تُمنح الجائزة لأي أديب عربي آخر. هذا الرفض المستمر من الأكاديمية السويدية أثار موجات من الدهشة والسخرية في الأوساط الأدبية وغير الأدبية على حد سواء.


منذ عام 1988، يُرشَّح أدونيس بانتظام لجائزة نوبل، وقد برز اسمه بقوة بعد فوزه بـ جائزة غوته عام 2011، حين بدا الأقرب إلى نيل نوبل. لكن الجائزة لم تكن من نصيبه قط، وبدأت أسهمه تتراجع تدريجيًا حتى اختير هذا العام الروائي المجري لازلو كرازناهوركاي للفوز بها.


سبعة وثلاثون عامًا مرّت منذ فوز نجيب محفوظ، الأديب العربي الوحيد بنوبل، وما زال السؤال يتكرر كل خريف: لماذا لا تمنح الأكاديمية السويدية جائزتها لأدونيس، رغم قيمته الكبيرة التي تفوق في نظر كثيرين بعض الفائزين بها في السنوات الأخيرة؟


أدونيس ليس مجرد شاعر، بل هو صاحب مشروع ثقافي وفكري شامل يناهض الثبات والانغلاق، ويدعو إلى التفكيك وإعادة البناء على أسس حداثية وجذرية. تمرّد على التراث، وعلى المؤسسة الدينية، وعلى سلطة اللغة، بل حتى على مفهوم “هوية الشاعر العربي التقليدية”.


وفي الغرب، تُرجمت أعماله إلى الفرنسية والإنجليزية والألمانية عبر دور نشر كبرى، وغالبًا ما يُقدَّم في المهرجانات الأدبية بوصفه أحد الأصوات التي منحت العربية بعدًا كونيًا. ونال جوائز مرموقة مثل غوته الألمانية وPEN/Nabokov الأميركية، فضلًا عن جائزة ستيغ داغرمان السويدية عام 2016، وهي جائزة حصل عليها عدد من الأدباء الذين فازوا لاحقًا بنوبل.


ومع ذلك، يبدو أن كل ذلك غير كافٍ بالنسبة إلى لجنة نوبل للاعتراف بقيمته ومنحه أرفع الجوائز الأدبية في العالم.


ورغم مكانته الكبيرة في الثقافة العربية، فإن أغلب المراقبين يرون أن فرص فوزه تظل ضعيفة. ويُعزى ذلك إلى محدودية حضور الأدب العربي داخل الأوساط الأكاديمية السويدية، وغياب ترجمات حديثة لأعماله، إضافة إلى توجه الأكاديمية في السنوات الأخيرة نحو توسيع خريطتها لتشمل كتابًا من آسيا الوسطى وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية.


ولا تُمنح جائزة نوبل في فراغ؛ فالقرار داخل الأكاديمية السويدية يأتي بعد نقاشات طويلة يمتزج فيها الأدبي بالثقافي والسياسي. ومن هنا، يُقاس موقع أدونيس أيضًا بعلاقته بالعالم الثقافي الغربي، الذي تمنح فيه الجائزة بعدًا رمزيًا يتجاوز القيمة الفنية.

أنصاره يرونه رائد الحداثة الشعرية العربية وصوتها العالمي، بينما يرى منتقدوه فيه شاعرًا نخبويا مثيرًا للجدل، بل ومتحفظًا سياسيًا تجاه بعض الثورات العربية، وهو ما أثّر سلبًا على صورته في الإعلام الغربي.


كما أن تأثير أدونيس في المشهد الأدبي العالمي يبدو محدودًا مقارنةً بأسماء مثل لاسلو كرازناهوركاي، الفائز هذا العام، أو الكاتبة الكندية آن كارسن، اللذين يحظيان بزخم نقدي وأكاديمي واسع في اللغات الأوروبية.

أما موقفه الرمادي من الثورة السورية فقد جعله يظهر في الإعلام الغربي بصورة متناقضة؛ فهو أحيانًا يُقدَّم كصوتٍ للعقلانية والتنوير، وأحيانًا كرمزٍ للانفصال عن واقعه ومجتمعه.


وربما لأن الأكاديمية السويدية تبحث اليوم عن أدبٍ ينطلق من التجربة الفردية ليعبّر عن الإنسان الكوني، أدبٍ يُلهم دون ادعاء، ويعانق الوجود الإنساني بعيدًا عن النزعات القومية أو التعالي الثقافي، فقد تراجع بريق أدونيس في حساباتها.


وفي تأمل قائمة الفائزين في العقد الأخير، يبدو الميل داخل الأكاديمية واضحًا نحو الأصوات المتمردة والمناطق المهمشة، والكتّاب الذين يكتبون عن المهمشين ومن أطراف العالم، وعن التجارب الإنسانية التي تنطوي على الجرح والاختلاف والذاكرة — وهي السمات التي غابت، في نظر لجنة نوبل، عن شعر أدونيس رغم عمقه وجمالياته، وتفرده وتمرده أحيانًا أيضا.