
فوز الروائي المجري لاسلو كرازناهوركاي بجائزة نوبل للآداب لعام 2025 ليس مجرد تكريم لمسيرة أدبية استثنائية، بل هو أيضاً مناسبة لإعادة النظر في حضوره خارج الحقل الأدبي الضيق، وبالأخص في عالم السينما. فالكاتب الذي اشتهر بجمله الطويلة وببنيته السردية الكثيفة والغامرة، وجد في الشاشة الكبيرة فضاءً آخر لاختبار لغته وهاجسه الفلسفي.
لقد تحوّلت رواياته الكبرى إلى أفلام طويلة، مثل «تانغو الخراب»، التي تحولت لفيلم «Satantango» الذي انتج عام 1994، وروايته «كآبة المقاومة» تحولت إلى فيلم «Werckmeister Harmonies»، انتج عام 2000، فيما كتب بنفسه نصوصاً وسيناريوهات لأفلام أخرى بالتعاون مع المخرج المجري الكبير بيلا تار، لتنشأ بذلك علاقة عضوية بين النص الأدبي والصورة السينمائية. غير أن هذه العلاقة لا تخلو من التوتر: فكيف يمكن لجملة كرازناهوركاي المتدفقة بلا انقطاع أن تجد ترجمتها في لقطة سينمائية طويلة؟ فهل نجح بيلا تار في إعادة خلق أجواء روايات كرازناهوركاي، أم أن النص ظلّ متفوقاً على الصورة؟ إن مقاربة كرازناهوركاي من زاوية السينما تكشف عن بعدٍ آخر في تجربته: بعدٌ يتأرجح بين الأدب والفلسفة والصورة، بين بطء القراءة وبطء المشاهدة، وبين متعة التلقي وإرهاقه.
في هذه القراءة سننطلق من سؤالٍ بسيط ومُربك: إلى أي حدّ نجحت الأفلام في أن تكون نصوصًا قائمة بذاتها، لا هوامشَ على روايات كرازناهوركاي؟
الخلفية: كرازناهوركاي والسينما
عند التوقّف أمام خمسة أعمالٍ سينمائية تم تحويلها من روايات لكرازناهوركاي وهي Damnation (1988)، Satantango (1994)، Werckmeister Harmonies (2000)، The Man from London (2007)، وThe Turin Horse (2011) نرى كيف تتحوّل خصائص عالمه النثري (الزمن المتمهّل، السرد الحلزوني، والمزاج الكابوسي) إلى قرائن بصرية وسمعية: لقطات طويلة، اقتصاد في الحدث، ومساحات من الصمت تنحت المعنى كما تنحته اللغة. هنا لا تعمل السينما «كمجرد نقل» للنص، بل كحقلٍ جمالي مستقلّ يختبر ما يُمكن للصورة والزمن أن يفعلاه حين تُستثار مخيّلة كاتبٍ يرى العالم ككابوسٍ بطيء الإيقاع.
وُلد لاسلو كرازناهوركاي عام 1954 في هنغاريا، وبرز منذ روايته الأولى «تانغو الخراب» (1985) كصوت أدبي فريد يمزج بين السرد المتشعّب والهاجس الفلسفي والتصوير الكابوسي للعالم. وقد منحته هذه الخصائص سمعة واسعة في الأوساط الأدبية الأوروبية، إذ تُوّجت روايته بجائزة مان بوكر العالمية سنة 2015، قبل أن يحصد جائزة نوبل للآداب عام 2025.
لكن ما يميّز كرازناهوركاي عن كثير من الروائيين، هو حضوره العميق في السينما. فمنذ أواخر الثمانينيات نشأت علاقة وثيقة بينه وبين المخرج بيلا تار، الذي وجد في نصوصه مادة مثالية لتجسيد رؤيته البصرية القائمة على الإيقاع البطيء واللقطات الطويلة. لم تكن هذه العلاقة مجرّد اقتباس تقني من نص إلى فيلم، بل شراكة فكرية وجمالية متكاملة: الكاتب يمدّ السينمائي بالعالم والشخصيات والهواجس، بينما يمنحه المخرج جسدًا بصريًا وزمنيًا متفرّدًا.
بذلك، لم يعد كرازناهوركاي مجرد روائي، بل أيضًا كاتب سينمائي بالمعنى الدقيق، يختبر حدود اللغة والصورة معًا، ويعيد تعريف علاقة الأدب بالسينما ضمن تقاليد «سينما البطء» الأوروبية التي أثارت نقاشات نقدية واسعة.
تقوم كتابة كرازناهوركاي على جمل متدفقة وطويلة، وسرد دائري يلتف حول نفسه، وزمن بطيء يفرض على القارئ إيقاعًا خاصًا. هذه السمات، التي بدت عصيّة على النقل إلى الشاشة، وجدت ترجمتها في أسلوب بيلا تار السينمائي. فالجملة المتواصلة تحولت إلى لقطة طويلة بلا قطع، والبنية الحلزونية انعكست في إيقاع دائري يعيد المشهد بصيغ مختلفة، فيما تجسّد المزاج الكابوسي للنصوص في تكوينات بصرية قاتمة وفضاءات شبه مهجورة. أما البطء الذي يطبع القراءة، فقد أصبح في السينما تجربة مشاهدة قائمة على الزمن الممتد والصمت الموحش. بذلك يتضح أن الانتقال من النص إلى الصورة لم يكن عملية تقنية فحسب، بل إعادة صياغة للغة الأدب بأدوات بصرية وزمنية جديدة.
تانغو الخراب: الملحمة البطيئة
تُعد رواية «تانغو الخراب» 1985 نقطة الانطلاق في عالم كرازناهوركاي، وقد تحوّلت على يد بيلا تار عام 1994 إلى فيلم ملحمي يمتد لسبع ساعات. العمل ليس مجرد اقتباس لرواية، بل تجربة سينمائية قائمة بذاتها، تعيد صياغة مفردات النص في صورة بصرية وزمنية متطرفة.
في الرواية كما في الفيلم، يعيش سكان قرية مجرية صغيرة حالة انهيار اقتصادي واجتماعي بعد سقوط النظام الاشتراكي، ويظهر فجأة رجل غامض يعدهم بالخلاص. لكن الخلاص سراب، والمجتمع يظلّ أسير دوامة الخراب. هذا البناء الحلزوني، الذي يعيد الشخصيات إلى نقطة البداية، هو ما يجعل السرد يبدو كرقصة متكررة بلا نهاية، وهو ما يفسّره العنوان نفسه «تانغو الخراب».
من الناحية السينمائية، يترجم بيلا تار أسلوب كرازناهوركاي إلى لقطات طويلة وحركة كاميرا بطيئة تلاحق الشخصيات في فضاءات موحلة ومهجورة. يتماهى المشاهد مع بطء الخطى وصوت المطر الذي لا يتوقف، وكأن الفيلم يفرض على المتلقي إيقاع القرية نفسها. هنا يصبح الزمن ليس مجرد إطار للأحداث، بل بطلًا خفيًا يبتلع الشخصيات ويرهق الجمهور.
تكمن أهمية فيلم «تانغو الخراب» في كونه يُظهر كيف يمكن للأدب شديد الكثافة أن يجد حياة جديدة في السينما بدون أن يفقد طابعه، بل عبر توسيعه: الكلمات تتحول إلى صمت، السرد إلى حركة بطيئة، والتوتر الداخلي إلى صورة قاتمة لا تنسى.
كآبة المقاومة: الفوضى كتجسيد بصري
صدر فيلم Werckmeister Harmonies عام 2000 بالاعتماد على رواية «كآبة المقاومة»، وهذا الفيلم يُعد من أكثر الأعمال السينمائية رمزية وتأثيرًا. تدور أحداثه في مدينة صغيرة تغرق في البرد والظلام، حيث يصل سيرك غريب ترافقه جثة حوت عملاق، ومعه إشاعة عن «الأمير» الذي سيقلب النظام القائم. شيئًا فشيئًا، تتحول أجواء البلدة إلى فوضى جماعية وانفجار عنفٍ غير مبرر.
النص الأصلي يطرح فكرة عميقة عن حدود النظام والعقل، مستعيرًا اسم المنظّر الموسيقي «ويركمايستر» الذي حاول أن يفرض انسجامًا حسابيًا على النغمات الموسيقية. كرازناهوركاي يوظّف هذا المرجع ليشير إلى عبثية كل محاولة لإخضاع العالم لفكرة منسجمة، لأن الواقع يفلت دومًا نحو الفوضى. في السينما، يُترجم هذا البُعد الفلسفي عبر لقطات طويلة تسجّل تفاصيل دقيقة: وجوه سكان البلدة المرهقة، الشوارع الفارغة، وصمت الحوت الملقى في ساحة السيرك. الحضور المادي للحوت هو ما يمنح الفيلم بعدًا أسطوريًا: رمزًا لحقيقة كبرى صامتة، أو كابوس جماعي يثير الذعر أكثر مما يفسّره.
المشهد الشهير للهجوم على المستشفى يُعتبر ذروة هذا التعبير البصري: حشد من الناس يدخلون الغرف محطّمين كل شيء، لكنهم يتوقفون فجأة أمام جسدٍ عارٍ ضعيف، وكأن العنف حين يواجه هشاشة الإنسان ينكسر في صمته. هنا تبلغ «سينما البطء» أقصى قوتها: العنف لا يُعرض كحدث مثير، بل كطقس ثقيل يترك أثرًا فلسفيًا وأخلاقيًا على المشاهد.
بهذا الفيلم، يتجاوز التعاون بين كرازناهوركاي وتار حدود الرواية المصوّرة، ليقدّم أطروحة بصرية عن انهيار النظام وإغراء الفوضى، حيث يتلاشى الحد بين الواقع والرمز، وتتحول الشاشة إلى مرآة لقلق وجودي جماعي.
التلقي النقدي والجمهور
تجربة كرازناهوركاي السينمائية، خاصة مع المخرج بيلا تار، أثارت منذ البداية جدلًا واسعًا بين النقاد والجمهور. فمن جهة، يُنظر إلى هذه الأفلام كعلامات بارزة في ما يُعرف بـ«سينما البطء»؛ إذ تمنح للمشاهد خبرة مغايرة تقوم على التأمل والصبر والانغماس في الزمن. النقاد احتفوا بها بوصفها أعمالًا جمالية وفلسفية تكشف هشاشة الإنسان وعبثية الوجود بأسلوب غير مباشر، بعيد عن الحبكة التقليدية.
لكن من جهة أخرى، يواجه الجمهور العادي صعوبة في تلقي هذه الأعمال. طول الأفلام (كما في فيلم تانغو الخراب الذي يمتد لسبع ساعات) واللقطات البطيئة تجعل المشاهدة أقرب إلى اختبار جسدي يتطلب صبرًا استثنائيًا. وهو ما يثير سؤالًا حول جدوى الفن إن كان يحجب نفسه عن المتلقي غير المتخصص، وحول حدود العلاقة بين «النص النخبوي» و«الذائقة العامة». إلى جانب ذلك، طُرحت إشكالات أخلاقية وجمالية تتعلق ببعض المشاهد الصادمة مثل مشهد الحيوان في Werckmeister Harmonies التي دفعت النقاد إلى التساؤل عن مسؤولية السينما حين تُعرّي القسوة أو تحاكيها. هل الغاية هنا الكشف عن الجانب المظلم للوجود، أم مجرد إغراق المشاهد في الإحباط واليأس؟ رغم هذه التحفظات، يبقى حضور كرازناهوركاي في السينما حدثًا فريدًا: فهو لا يقدم نصوصًا «يُقتبس» منها فحسب، بل يدخل في صميم العملية الإبداعية، جاعلًا من السينما امتدادًا. يقدّم فوز لاسلو كرازناهوركاي بنوبل 2025 فرصة لإعادة النظر في مكانته، ليس فقط كروائي، بل كصاحب تجربة فريدة في السينما الأوروبية. لقد أثبتت أعماله مع بيلا تار أن النص الأدبي، مهما بدا عصيًّا أو متشعّبًا، يمكن أن يجد امتداده في لغة بصرية وزمنية مختلفة، هذه الشراكة لم تنتج «أفلامًا مقتبسة» بالمعنى التقليدي، بل أعمالًا قائمة بذاتها، تحفر في الذاكرة الجماعية صورة عن العبث والفوضى والانهيار. ورغم ما تثيره من جدل حول صعوبتها وبطئها وجرأتها، فإنها تظلّ علامة فارقة في البحث عن حدود العلاقة بين الأدب والسينما. من هنا، يمكن القول إن كرازناهوركاي لم يوسّع حدود الرواية فحسب، بل ساهم أيضًا في دفع السينما إلى اختبار أقصى طاقاتها الجمالية والفكرية. إنه كاتب عبر الوسيطين معًا، يؤكد أن الأدب والسينما ليسا عوالم منفصلة، بل هما لغتان متجاورتان يمكن أن تتبادلا العمق والرهبة والجمال.
