خارج أطر المهرجانات الأوروبية، فجأة يعلَن عن الشريط الترويجي لفيلم جديد للأمريكي بول توماس أندرسون، بعد أخبار عن إمكانية مشاركته في مهرجان فينيسيا الأخير ثم بأخبار تنفيها. ليكون الفيلم، سريعاً، في الصالات العالمية بعد فترة وجيزة من الشريط. لهذا كله مفعول الصدمة، الضربة المباغتة بفيلم لواحد من أفضل المخرجين في جيله، الذي بدأ مسيرته بأفلام عظيمة قبل أن يخفت في أفلامه الأخيرة، ليعود أخيراً بفيلم بدأ بكتابة مَشاهد منه في التسعينيات كما قال، في بداياته التي شهدت أفلامه «بوغي نايتس» (1998) و»ماغنوليا» (2000)، وأفضلها «ستكون دماء» (2008).
الفيلم الجديد لأندرسون، أو كما يُنادى :PTA «معركة تلو الأخرى» One Battle After Another، منتظَر لهذه الأسباب أولاً، امتياز أندرسون في ثلاثة أفلام دفعة واحدة، ثم خفوته التدريجي، ليستعيد بالفيلم الأخير، النازل إلى الصالات كالقذيفة المنفلتة من بروتوكولات المهرجانات، ليستعيد امتيازاً قديماً لأندرسون. وسيكون، الفيلم، واحداً من أفضل الإنتاجات السينمائية الأمريكية هذا العام، إن لم يكن فعلاً أفضلها.


أقول ذلك لاعتبارين: أولهما وصولنا إلى نهايات العام، فلا مهرجانات كبرى ولا أفلام مرتقَبة تكتفي، مثله، بالصالات، يمكن أن تنافس فيلم أندرسون، وثانيهما اقترابنا من موسم الجوائز، الغولدن غلوبز والأوسكارات تحديداً، أول العام المقبل، ما يضيّق المساحة التسويقية على شركات التوزيع التي يمكن أن تفكّر في إطلاق أفلامها قبل الموسم، إذ لم يتبقَّ أمامها سوى أسابيع، ولا تلوح في الأفق عناوين منتظَرة. هو الفيلم الأكثر ترجيحاً إذن لأعلى الجوائز، للغولدن غلوبز والأوسكار، باستحقاق، ما يمكن أن يحمل أوسكار أوّلَ لأندرسون، مستحَق كذلك.
الفيلم يقدّم نفسه كمنجز متكامل؛ سيناريو متشابك ينسج الأحداث بذكاء، وصورة بصرية ومونتاج يضخان جرعة ابتكار لافتة، إلى جانب أداء تمثيلي استكشافي يرسم مشاهد أيقونية تبقى في الذاكرة. غير أن القيمة الأبرز للعمل تكمن في راهنيته، إذ يعكس بوضوح المناخ الأمريكي في زمن «الترامبية»، حيث تتحول الحكاية إلى مرآة لواقع فاشي يتشكّل من تداخل الأجهزة العسكرية مع جماعات بيضاء متعصبة، على نحو يعيد إلى الأذهان العصابات العرقية التي عرفها العالم في النصف الأول من القرن العشرين.
في الفيلم مجموعة ثورية، تنظيم سري، تشنّ هجوماً مسلحاً على مراكز اعتقال مهاجرين، على الحدود مع المكسيك، من أجل تحريرهم. هي أقرب إلى مجموعة ثورية أوروبية، يسارية، قادمة من زمن ماضٍ، واسمها يوحي بذلك (الفرنسي 75). بطل الفيلم، بوب، وبأداءٍ «بيغ لوبوسكيّ» لليوناردو ديكابريو، نراه على كنبته يشاهد فيلم «معركة الجزائر» للإيطالي جيلو بونتيكورفو، منهمكاً بشرب البيرة وتدخين الحشيش، وقد هجر العمل الثوري، ليتفرغ لتربية ابنته.


هي ستصير فتاة في السادسة عشرة، تكتشف حياة أخرى تراوح بين دروس الكاراتيه والرقص مع الأصدقاء. سيعود ضابط في الشرطة، عنصري وذكوري ومجرم، بأداء بديع لشون بين، إلى البحث عن بوب وابنته بعد سنوات من ملاحقة التنظيم السري، مع احتمال أن يكون هو الأب البيولوجي بعد اغتصاب أمها، التي واصلت العمل الثوري ولم تقعد كالأب. يتقدّم الفيلم في معظمه هنا: تتابعات بين هروب البنت، ثم اختطافها ثم محاولة هربها، بالتزامن مع محاولة الأب المزدوجة: الهرب والبحث عن ابنته.
الفيلم الطويل نسبياً، قرابة 3 ساعات، يتكوّن من مشاهد شديدة الامتياز والذكاء، أمكن لها إن تكون منفصلة، لكمال كل منها وإن أتى ضمن سياق لا تنفصل عنه. مشاهد وحوارات من تلك التي لا تفقدها الذاكرة، من تلك التي تصير مرجعية مع الزمن: مكالمة بوب التليفونية التي ينسى فيها كلمة السر، هروبه عبر الأسطح وسقوطه ثم اعتقاله بشكل تافه قبل أن يهرب ويكمل هربه الأكبر، ففي الفيلم ملاحقات، هروب تفصيلي يتخلل الهروب الممتد على طوله، إضافة إلى المشهد الملحمي، الختامي نوعاً ما، مشهد الهروب واللحاق بالسيارات، في شوارع صحراوية، نزولاً وصعوداً على تلال، ما يصيب بالدوار فعلاً، «فيرتيغو» جديد نراه هنا، لكنه أفقي، لا عمودياً كما كان في فيلم هيتشكوك الأثير. وغيرها من المشاهد التي تمايزت وتكاملت لتصنع فيلماً استثنائياً.
فيلم ملحمي تكاملت فيه المَشاهد/المعارك/الملاحقات، كلهما مستمرة، واحدة تلو الأخرى. كأنه، الفيلم، بها، بلا بداية ولا نهاية، حلقة أبدية، كأنه دائم بدوام الحال، بدوام الفاشية والثورة الدائمة عليها. الفيلم في وجه منه، ديستوبي، فيلم عن طغيان الشرطة الأشبه في زيها وسلاحها بالجيش، أو عناصر جيش مطبوع على ستراتهم «شرطة»، فالدولة في حالة حرب هنا، هي إذن قوات مسلحة متماهية مع عصابة مَفيوزيّة من الرجال البيض الأثرياء ممن يرون أن علاقة جنسية مع امرأة سوداء، قد نجّست عضوَ أحد الضابط، الذي برر ذلك بأنه عملية اغتصاب له إنما مقلوبة. فالفاشيون حمقى كذلك. هؤلاء أصحاب قرار في الدولة، مقابلهم الثوريون الرومانسيون، الخارجون من معركة، الداخلون منها إلى أخرى، بعراك واشتباك دائمين، الرافضون حالة راهنة تسيطر فيها الفاشية المتحالفة مع الشرطة، بل المتماهية معها. هي شرطة تدسّ عنصراً في مظاهرات سلمية ليرمي زجاجة مولوتوف، فتهجم الشرطة برصاصها على المتظاهرين، هي شرطة يغتال أفرادها بعضهم بعضاً، حسب الولاء العنصري، وأصحاب نظريات التفوق الأبيض.
ما نراه هنا هي فاشية جديدة، معاصرة، كان مشهد أخير من الفيلم، رداً ضرورياً على واقعها، فاشية أقرب لتكون في الفيلم، مرحلة ما بين الواقع الذي تعيشه الولايات المتحدة وبعض أوروبا اليوم، وديستوبيا مستقبلية، حيث تنفلت السيطرة المسلحة للفاشية، التي لا تزال في الفيلم مجرد عصابات بيضاء، وتنبسط على كل البلاد. الفيلم صوّر تلك المرحلة الانتقالية، التي قال عنها الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، إن وحوشاً تظهر فيها، حين تأفل مرحلة تاريخية وتتشكل أخرى تكون الفوضى، نحن هنا، في الفيلم، نعيش ما يمكن أن يلي مرحلة ترامب الواقعية، إن تطوّرت على شكلها الراهن، فينقل الفيلم مرحلة انتقالية بين الترامبية والأوروُليّة، الكارثية الأقرب إلى عوالم جورج أورويل الكابوسية.


«معركة تلو الأخرى» أشبه بنسخة معاصرة سينمائياً من فيلم «معركة الجزائر». هو ليس فيلماً كابوسياً، بل ثوري جديد، حالم. هو فيلم عن الأمل المتجدد المواجه للكابوسية المتكررة، عن الأمل في سياق كابوسي، عن تلك اللحظة التي يمكن أن تقطع الخط الواصل بين الراهن الفاشي، والمستقل الديستوبي. ينتهي الفيلم بمشهد رمزي، عظيم، يشي بطبيعة المعارك المتتالية والثورة المستمرة، العابرة للأجيال، إذ يستلقي بوب على كنبته محاولاً اكتشاف جهاز تليفونه الجديد، وقد كان مانعاً هذه الأجهزة لسنوات تفادياً لتتبّعه، وابنته تستعجل الخروج إلى مظاهرة، يقول لها محاولاً مجادلتها، بصوت الشاب الثوري السابق، والكهل العاقل الحالي، إن المظاهرة على بعد أكثر من 3 ساعات بالسيارة، وإنها تمطر. تخرج الفتاة سريعاً للحاق برفاقها.
الفيلم عظيم، تتوالى فيه الحبكات الفرعية كالمعارك الصغيرة، ضمن حرب كبرى مع الفاشية البوليسية، في قصة الفيلم غير المقفلة بانتهائه، تتلاقى الحبكات وتتداخل، بالكاد يرى أحدنا حدوداً بين واحدة منها وأخرى، وإن مايز بين مَشاهد متفوّقة، مكتملة بذاتها ومتكاملة واحدتها مع الأخرى. الفيلم عظيم في أسلوبه الإخراجي، المغامر، وفي السيناريو الذي لا يخلو فيه مشهد من سطر التماعي، ليكون الفيلم ملحمياً سياسياً وتاريخياً ومستقبلبياً، مثيراً للضحك بالدرجة ذاتها التي يكون فيها مثيراً للقلق، باعثاً للتفاؤل بالدرجة ذاتها التي يبعث فيها على التشاؤم.
الفيلم حالة خاصة، من بين الأفضل على الإطلاق لهذا العام، في تناقضاته التي بنت، بانسجام، ملحمة مستمرة. وهو قمة جديدة لبول توماس أندرسون. ببعض المزاح يخطر لأحدنا القول إنه فيلم تروتسكي، حيث الثورة الدائمة، حيث المعركة تلو الأخرى ضد الفاشية والعسكريتارية، وذلك لقصته الكاملة وحبكاته التفصيلية ونهايته المفتوحة إلى أفق لا ينتهي من الثورات، ولعنوانه حيث تكون المعركة/الثورة تلو الأخرى. وبكثير من الجدية يقول أحدنا إنه فيلم تروتسكي بكل معنى الكلمة. في الطبيعة المتفشية عالمياً للفاشية، في البوليسية غير المحصورة بالولايات المتحدة، وفي الضرورة الإنسانية للثورة عليها، في توارث هذه الثورة عمودياً، والأهم، في استمراريتها أفقياً. الفيلم كوميدي بقدر ما هو تراجيدي، هوليوودي بقدر ما هو فنّي، واقعي بقدر ما هو خيالي. هاكم فيلماً تروتسكياً وممتعاً.