
نال جائزة أفضل ممثل لثلاث مرّات ويرسم استراتيجية جديدة لحياته الفنية
بيروت ـ «القدس العربي»: ثمّة محطات مشرقة في حياة الفنان جورج خبّاز بدأت تلمع مذ قرر وبقلب قوي، أن يكون له مسرح خاص ودائم على مدار ستة أشهر. مسيرة التزم بها لـ17 سنة بنجاح منذ العمل الأول. بعدها حالت أزمات كبرى دون متابعة المسيرة، بدأت مع الانهيار الاقتصادي والجائحة وتفجير المرفأ.
المثل القائل «لا تكرهوا شيئاً لعله خير» نزل على جورج خبّاز برداً وسلاماً. فُتحت أمامه الأبواب لتجارب كبيرة وناجحة في السينما والمسرح والتلفزيون. حضر بدور رئيسي في فيلم «يونان» الألماني/العربي، الذي جال على العديد من المهرجانات المرموقة في العالم، وحصد بنتيجتها خبّاز جائزة أفضل ممثل لثلاث مرّات.
ولأن الموهبة الحقيقية تترك ذبذباتها في العيون والقلوب، فقد بلغ صيت جورج خباز كندا. وكان له دوراً مؤثراً في فيلم Mille Secrets Mille Dangers، ولأجله مكث لشهرين في كيبك.
وعندما راوده حلُم المسرح من جديد لم يتأخر رغم هواجسه من التغيير الشامل. وهكذا كتب خبّاز وأخرج ومثّل «خيال صحرا»، مع الممثل عادل كرم. العروض تجددت لمرات، وقريباً ستتجديد أيضاً.
هنا حوار مع جورج خبّاز:
○ لنمسك الخشب فيلم «يونان» يواصل حصد الجوائز وآخرها من مهرجانات روتردام وهونغ كونغ وإسبانيا. ماذا يعني لك شخصياً فيلم تكلمت فيه الألمانية؟
• كثيراً ولأسباب متعددة. بداية هو تجربة أوروبية عالمية، من إنتاج ألماني. ومع مخرج رائع هو أمير فخر الدين المولود في هضبة الجولان المحتل والمقيم في ألمانيا. مخرج مبدع له عين سينمائية خاصة جداً، فيها الكثير من العمق والفلسفة والشاعرية. «يونان» فيلم لعبته مع أيقونة السينما الأوروبية هنّا شيغولا، وكنّا في دورين أساسيين. تأثّرت بالفيلم لأنه يحكي الشتات والغربة، والوجع الداخلي، والبحث عن الذات. ويعنيني أيضاً لكونه جال على مهرجانات متعددة منها برلين. نال إلى الآن تسع جوائز، من 12 مهرجانا، من بينها ثلاث لي كأفضل ممثل. جوائزي نلتها من مهرجان هونغ كونغ، وبالماس في إسبانيا، وروتردام في هولندا. وما يزال الفيلم يواصل جولته في المهرجانات. للمرة الأولى أكون حيال هكذا نوع من الفن المشهدي، بلغته السينمائية وشاعريته وفلسفته.
○ لماذا تصنيف الفيلم من ضمن السينما العربية؟
• «يونان» ينتمي للسينما العربية وكذلك الألمانية. وقد فاز مخرجه بجائزة النقّاد العرب للسينما الأوروبية في مهرجان الجونة بالقاهرة. ولكونه إنتاجاً ألمانياً فهو ينتمي للسينما الأوروبية، وينتمي للسينما العربية لأن مخرجه عربي.
○ ومتى سيكون في لبنان والدول العربية؟
• بعد عرضه الأول في مهرجان سينما البحر الأحمر في كانون الأول/ديسمبر المقبل يمكنه الانتشار في الوطن العربي.
○ كانت للفيلم هيصة لافتة في مهرجان هامبورغ فماذا قال لك الناس هناك؟
• معظم جمهور هامبورغ كان ألمانياً، وبالتالي له صلة بالفيلم كونه يحكي لغته. والأهم أن أسطورة السينما الألمانية أنّا شيغولا موجودة بقوة فيه، وهذا حمّسهم لمشاهدته، فأسطورتهم عادت إلى الشاشة بدور بطولة. حضرت كسيدة رائعة بعمر الـ82 سنة. إذاً ردة الفعل كانت ممتازة من كافة النواحي. كان ثناء وحب للفيلم لعمقه، وأسلوبه التحليلي المتشعّب. المناقشة التي تلت العرض تمثلت بالإطراء وبالكثير من المحبة. إذ يمكنني القول أن عمق الفيلم يتوازى مع إحساسه العالي وقدرته على تحريك المشاعر. في كافة المهرجانات، وكافة النقاشات كانت ردة الفعل ممتازة. ولافتني نيلي مع أنّا شيغولا في مهرجان هونغ كونغ جائزة أفضل ممثلين. فهناك كنا مع بيئة مختلفة من الشعوب. كذلك في مهرجان روتردام، ومهرجان إسبانيا، وقريباً سنكون في مهرجان ساوباولو في البرازيل. وجال الفيلم على مهرجانات في ميلانو وأستراليا وغيرها. «يونان» لغته الألمانية مع بعض العربية، إنما هو لغة عالمية بموضوعه المتمثل بإنسانية يلتقي حولها ناس الكرة الأرضية.
○ من ألمانيا إلى كيبك في كندا افلام «لا عالبال ولا عالخاطر» تشارك بها. أي رصيد مهّد لك الطريق؟
• أعتقده تراكم عملي وخبراتي في المسرح والسينما والتلفزيون. وهذا ترك أدائي كممثل يبلغ مرتبة لفتت نظر مخرجين كبار، كما أمير فخر الدين الذي شاهدني في فيلم «أصحاب ولا أعز»، فكرة مسبقة كوّنها عن عملي. فكان قراره بأن أكون بطل فيلمه المقبل. وخلال تنفيذ فيلم «يونان» كان لمدير التصوير الكندي أن يقدمني إلى مخرج فيلم Dangers Mille secrets Mille فيليب فلاردو. نلت دوري في هذا الفيلم بعد اختبار وإثر اتصال من مدير الإنتاج. دور يُصنّف ثانوياً في تراتبية الفيلم، لكنه مؤثر وله وقع مهم كشخصية. إذاً هو تراكم الخبرات والنضج في الأداء، ما ترك المخرجين يلتفتون نحوي.
○ من ألمانيا إلى كندا اقتربت من هوليوود إن رُشحت لدور مهم هل ترضى بأي نص يصل من خلالك كلبناني وعربي؟
• لألعب دور إنسان عربي شرطي أن لا يُسيء للعربي بأي صورة. أرفض دوراً يكون نموذجاً للعربي السيء مهما كانت عالمية الفيلم. أحرص وأنتبه لمبادئ وقضايا في طليعتها ما له علاقة بالإنسان، في كل عمل جديد. تعميم صورة العربي الإرهابي أو المخرب أو السيء لن أقدم عليها. فجلّ العرب في العالم نرفع رؤوسنا بهم، ولهم بصمتهم خاصة في المجتمعات الغربية.
○ بعد هذه الموجة العالمية الناجحة بت تحتاج لإدارة أعمال على الطريقة الغربية لترشحك لأدوار. أليس كذلك؟
• لم أبلغ تلك الصيغة بعد. ما أزال مدير أعمال نفسي. أتعاون مع فريق محامين يهتم بالعقود لضمان صحتها القانونية فقط. الحوار حول الدور يتم معي مباشرة فلا مدير أعمال ولا وكالة تهتم بعملي.
○ «خيال صحرا» مسرح مختلف اختبرته مع الممثل عادل كرم. فاجأك نجاحه كما فاجأتك مسرحيتك الأولى في شاتو تريانون؟
• الجواب بين نعم ولا. استلزمت المسرحية الكثير من التحضير. فقد كنت حيال تغيير النمط المسرحي والمكان. انه مسرح كازينو لبنان الذي يتسع لألف شخص. ولأول مرة أكون حيال نص لشخصين على المسرح. اللعبة اختلفت كلياً، إنما احتفظت بروحي في العمل. كنت قلقاً، وفي الوقت عينه مطمئناً. توقفت عن المسرح لأربع سنوات، ولهذا سألت ذاتي عن مدى رغبة الجمهور بالتواصل مع أعمالي، وعن قدراتي بعد توقف تلى 17 سنة من العمل المسرحي السنوي المتواصل. والحمد لله 75 عرضاً لثلاثة أشهر متواصلة لـ«خيال صحرا»، وجددنا، وسنجدد قريباً. ردة الفعل كانت رائعة. الجمهور كان أكثر من وفي بحضوره وتفاعله وأشكره من أعماقي. حققت المسرحية نجاحاً باهراً. أعادت لي الأمل والرغبة بأن أكون مجدداً مع المسرح بعد توقف قسري بسبب كورونا، والأزمة الاقتصادية، وتفجير المرفأ.
○ يبدو أنك في المسرح تلعبها صولد بدأت مع مسرح شاتوتريانون بـ600 كرسي، وبعد توقف عدت إلى الكازينو بـ1000 كرسي. هل هي مقامرة؟
• في مسرحية «خيال صحرا» كنت حيال ثقة بأن العلاقة المستمرة مع جمهور المسرح لمدى 17 سنة في شاتوتريانون كانت متينة، كذلك تعبير الجمهور الذي كنت ألتقيه في الأماكن العامة أو عبر وسائل التواصل خلقت عندي نوعاً من إطمئنان بأن العمل الذي سأقدمه بإذن الله سيرضي طموح رواد مسرحي، وهذا ما حصل. هي ليست مقامرة بقدر ما هي مغامرة في بلد غير مستقر، ومع تغيير المسرح والإنتاج. كنا حيال جزء من مغامرة، إنما جيد بين وقت وآخر أن نغادر جلدنا الفني المعتاد، بحيث نقدّم للجمهور مادة جديدة ومختلفة.
○ سؤال تقني عن تطور أداء الممثل. هل هو أثر البناء الدرامي للعمل؟ أم هو اكتشاف لقدرات نفسية وجسدية أنتجها تراكم الخبرة؟
• بل هو اللقاء بينهما. لقاء الخبرة والتجارب الحياتية والفنية في دور يحضنها ويمنحها مساحة نضج. تماماً كما حصل معي في فيلم «يونان». دوري كان كبيراً وعميقاً وله أبعاد متعددة، وكان له مقدرة احتضان تراكم تجربتي على مختلف المستويات. كثر الممثلون الذين يزخر تاريخهم بالتجارب، إنما لم تُعرض لهم الأدوار التي تستوعب قدراتهم. نشاهد أدواراً جميلة يقوم بها ممثلون لهم تجارب محدودة، ولم يُتح لهم بعد التعرّف إلى قدراتهم وعمقها كما يجب. ولدى اجتماع تراكم النضج الفني والإنساني مع دور يتسع لهذه الخبرات، نكون حيال عمل قريب من الكمال.
○ أجد في مسرح الحاضر المنتشر بين مسارح المدينة ومونو ودوار الشمس ما يقترب من الناس وقضاياهم. وأكثره مشغول باحتراف عال. ما رأيك؟
• أكيد بعضه مشغول باحتراف ومدعاة فخر. والآخر ما يزال ضمن التجربة. وقد يكون جميلاً إنما غير مكتمل. العمل المسرحي يجمع بين عناصر متعددة الكتابة والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والإضاءة. جميعها عناصر يفترض أن تكون مكتملة ومتساوية على صعيد المستوى، عندها نكون حيال عمل محترف بكل معنى الكلمة، يصل للجمهور بأسلوب فني ومرفقاً بالمشاعر، ونقص إحدى تلك العناصر يضع العمل في إطار التجربة.
○ الانكفاء مع الأزمة الاقتصادية ثم الجائحة ثم تفجير المرفأ طال كثيرين ويبدو لي انه كان بالنسبة لك مساحة تفكير هادئة؟
• مُحقة جداً فيما قلته. هذه الوحدة أعطت فسحة تفكير هادئ ومتروي للجميع. قبل الأزمة الاقتصادية كنت كفنان كثيف الإنتاج. شبّهت نفسي حينها بالبلدوزر، أعمل في المسرح والسينما والتلفزيون. وإذ بالثلاثي الكارثي من أزمة اقتصادية وجائحة ومن ثمّ تفجير المرفأ تُفرمل المسيرة. فرملة منحتني فرصة التفكير والعودة إلى الوراء، بهدف تحديد المستقبل، وفق طقس مغاير عمّا كان. نعم حزنت مع توقف المسرح في شاتوتريانون. توقف فتح لي أبواباً لم تكن ممكنة مع استمرار مسيرة المسرح ستة أشهر من كل عام. كفيلم «أصحاب ولا أعز»، ومسلسل «براندو الشرق»، و«النار بالنار»، وفيلم «يونان»، والفيلم الكندي، إذ كان مستحيلا أن أمكث لشهرين في كيبك أو هامبورغ للتصوير إلى جانب عمل مسرحي. الاختلاء بالنفس أدى لرسم استراتجية لحياتي الفنية.
○ هذا يعني أنك حيال مقاربة مختلفة ورسم مسيرة جديدة لحضورك الفني؟
• مئة في المئة. سؤال أطرحه كثيراً على نفسي. أسأل ماذا بعد «خيال صحرا»؟ وهل هذا العرض المسرحي سيؤدي لتغيير العائلة ونوعية المسرح؟ بكل شفافية أقول بأني لم أجد بعد الجواب الواضح والصريح. فـ»خيال صحرا» لم تكن في بالي يوماً، لكني وجدت نفسي أكتبها. أترك نفسي للوحي وللدواعي المستجدة لتأخذني مسرحياً حيث يجب. بت مؤمناً بضرورة عدم التخطيط. في شاتوتريانون كنا بكيفية مؤسساتية، فريقاً ملتزماً أحدنا بالآخر. حالياً أمتلك امكانات الذهاب إلى خيارات أكثر حرية. قد أكون مع العائلة القديمة وقد لا أكون، وهذا يعود لنوع المسرحية.
○ كم أنت محظوظ وكم أنت موهوب؟
• بل أن الله أكرمني بنعمة اكتشاف الموهبة. وبالتالي مهمتي العمل عليها وتوظيفها كما أتمنى دائماً وفي المكان الصحيح. الحظ موجود، هو لا يأتي إلينا بل نحن من نذهب نحوه. في بدايات مسيرتي واجهتني صعوبات وعوائق. حفرت بالصخر حتى بتّ ما أنا عليه، أما الموهبة فهي نعمة إلهية، إن كنت فعلاً موهوبا. ونعمة من الله أن أدرك موهبتي، ومن ثمّ توظيفها في المكان الصحيح.
○ هل ما تزال والدتك تصلي لك كل مساء؟
• إيه والله.
