تم ترشيح الفيلم الوثائقي الطويل “بلياتشو غزة” للمخرج الفلسطيني عبد الرحمن الصبّاح، للمشاركة ضمن المسابقة الرسمية Frontlight في فعاليات الدورة الثامنة والثلاثين من المهرجان الدولي للأفلام الوثائقية في أمستردام (International Documentary Film Festival Amsterdam)، الذي يُقام خلال الفترة من 13 إلى 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2025.
“بلياتشو غزة” (The Clown of Gaza) هو فيلمٌ وثائقيّ مؤثر يتابع قصة علاء مقداد، المشهور بلقب “علوش” – وهو مهرّج قصير القامة من غزة حوّل مآسي الحرب إلى لحظاتٍ عابرة من الفرح للأطفال. بعد أن دُمّر منزله في مخيم الشاطئ للاجئين واضطر إلى العيش في خيمة مع أسرته، يكافح علوش يومياً لتأمين الطعام والماء والبقاء على قيد الحياة، لكنه لا يتخلى عن مهمته في نشر البسمة بين أطفال غزة الذين أثقلهم الحصار والقصف.
الفيلم من إخراج عبد الرحمن صباح، أحد أبناء غزة، الذي التقط بعدسته حكاية علوش وسط الأنقاض في عمله الوثائقي الطويل الأول. أنتجت الفيلم شركة كورجينز وشركة ميتافورا بالشراكة مع صندوق رشيد مشهراوي للإنتاج، في إطار مبادرة “من المسافة صفر+” (From Ground Zero+) التي وُلدت أثناء حرب 2023 على غزة لتوثيق القصص الإنسانية من قلب الميدان. صُوّر الفيلم بين عامي 2024 و2025 داخل القطاع المحاصر، بجهود فريق تصوير محلي محدود الإمكانيات، ما يجعل إنجازه الفني والإنساني شهادة على الإصرار والإبداع في وجه الدمار.
يرصد الفيلم حياة علاء مقداد خلال الحرب، بينما يواصل أداءه في الشوارع والمستشفيات، ناشراً الضحك في أماكن لا يُسمع فيها سوى أصوات الانفجارات. يعرض صباح في مشاهده المتتابعة التناقض بين البهجة التي يصنعها المهرّج وبين الخراب الذي يحيط به. يقول مقداد في أحد المشاهد بصوتٍ يختلط فيه الألم بالعزيمة: “كان الأطفال يضربونني ويشتمونني حين كنت صغيراً، لكنني تابعتُ الطريق حتى تعلمتُ أن أجعلهم يضحكون بدلًا من أن يرموني بالحجارة”.
يُبرز الفيلم كيف تحوّل هذا الرجل الصغير إلى رمزٍ كبير للصمود، وكيف أصبح الضحك نفسه فعل مقاومةٍ في غزة التي علّمت العالم كيف تضمّد جراحها بالأمل. وبين مشاهد علاء وهو يشتري الطماطم لعائلته أو يبحث عن أقمشة ملوّنة لخياطة زي المهرّج خاصته، يروي حكاياتٍ عن الفقد والخوف: عن رجلٍ قُتل وهو يدفع والدته في كرسي متحرك، وعن أطفالٍ ضحك معهم يوماً ثم ماتوا في اليوم التالي. يقول علوش في أحد أكثر المشاهد وجعاً: “أصعب شيء هو أن تلهو مع طفل، ثم تعرف في اليوم التالي أنه مات. ترى الفرح في عيني والديه وهم يخبرونك كم أحبّك”.
من خلال هذا التناقض بين الأمل والفقد، ينجح “بلياتشو غزة” في تصوير ما هو أبعد من الحرب: الإرادة الإنسانية في البقاء، والإصرار على تحويل الألم إلى ضوء. عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان عمّان السينمائي الدولي عام 2025، وشارك لاحقاً في مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي، كما اختير ضمن برنامج مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية (IDFA)، حاصداً إشادة واسعة من النقاد الذين وصفوه بأنه “قصيدة سينمائية للأمل وسط الركام”، ومنحته صحيفة ذا ناشيونال تقييماً قدره 4 من 5 نجوم.
في النهاية، يبقى “بلياتشو غزة” أكثر من فيلمٍ عن الحرب؛ إنه حكاية عن إنسانٍ يبتسم في وجه الموت ليعلّم الأطفال أن يبتسموا أيضاً، لأن في غزة، كما يقول علاء مقداد، “لا أحد يملك رفاهية الحزن، لكننا جميعاً نستطيع أن نضحك كي نعيش”.
