القاهرة ـ «القدس العربي» : ضمن فعاليات (مهرجان نقابة المهن التمثيلية للمسرح المصري) الثامن، وعلى مسرح (نهاد صليحة) في أكاديمية الفنون، جاء العرض المسرحي «الحُفرة»، تأليف طارق حمدي وإخراج تغريد عبد الرحمن. وقد حصل العرض في نهاية المهرجان على جائزة أفضل دعاية، أشعار، وعمل جماعي.

بداية مُبشرة

بدأ العرض من خلال فيلم قصير يصوّر لقطات لجد وأحفاده من اليهود، مثّل شخصية الجد الفنان (خالد الصاوي)، وهو يوصي أحفاده بأن يجتمعوا وأن يتجاوزا خلافاتهم الواهية، حتى يجدوا الكنز الذي خبأه في مكان ما. ثم يستعرض الشخصيات الـ(خمسة)/الأحفاد، وهم الذين يقع عليهم عبء البحث عن الكنز، الذي توصلوا إلى مكانه والحفر مسافة عشرة أمتار. وعلى صوت الصاوي تبدو الشخصيات.. المتدين الهادئ، البلطجي، المرابي، المتردد والخائف، وهكذا صفات يرددها العامة أو المخيلة الشعبية عن اليهود ـ لاحظ عدم التفرقة بين اليهود والصهاينة، بالضبط كما غوغاء الغرب في عدم التفرقة بين الإسلام والإرهاب ـ حيث الخسة والدناءة واغتصاب الحقوق، وتزييف الحقائق والوقائع.
الأمر اللافت أيضاً هو استعراض الموضوع، من خلال وجهة نظر مغايرة (شخصيات يهودية) لها وجهتها وأسبابها، حتى لو بالباطل من وجهة نظرنا نحن العرب، ومن وجهة نظر إنسانية. فهذه البداية المبشرة تمتد أيضاً إلى التقنية والشكل ما بين لقطات سينمائية مصوّرة، وديكور يتمثل حُفرة بالفعل لتصبح هي الحيز المسرحي، أو خشبة المسرح إن جاز التعبير، حيث يتحلق بعض الجمهور حولها، والآخر يتابع العرض من خلال شاشة سينما.

الحكاية

يبدأ الأشخاص الـ(5) في الحَفر، وهم يتوهمون أن الكنز عبارة عن (ذهب) مدفون في العمق، فيصبح الطمع هو مُحرّك الأحداث، فتدور الاتفاقات بينهم للتخلص من بعضهم بعضا، بداية من المتدين الأكثر ضعفاً من حيث بنيته الجسدية، وهكذا حتى يصبح الشخص الوحيد الحي هو (البلطجي)، وبعد الوصول إلى عمق (10) أمتار يجد لفافة قديمة، وهي وصية جدهم الأكبر، بأن الكنز يكمن في اتحادهم واعتماد بعضهم على بعض، حتى يتسنى لهم الخروج من الحُفرة/الأزمة. يعني في الاتحاد قوة يا أولاد صهيون!

الشال الفلسطيني

نال العرض جوائز الدعاية والأشعار والعمل الجماعي، ومن قبيل الدعاية ارتداء مُنفذي العرض الشال الفلسطيني، وبعث أغنيات عن فلسطين طوال انتظار العرض الذي امتد حوالي الساعة قبل أن يبدأ! وسط تصفيق الجمهور، الذي أغلبه من أصدقاء أصحاب العرض. حتى إن المخرجة كانت تتحرك وكأنها تستعرض نفسها بالشال/أيقونة النضال وركوب الموجة، حتى يتم تصويرها من جميع الزوايا.
الأمر الآخر حتى يتميز العرض بالعمق النضالي هو تصريح المخرجة في أحد الحوارات التسويقية لنجاح المهرجان من خلال نشرته اليومية، فكل شيء في العرض لا يأتي اعتباطاً، وله دلالة لا يعيها إلا المتبحر في العلم أو أخذه كابرا عن كابر، فأشارت إلى أن عدد الشخصيات يٌشير إلى (الأسفار الخمسة)، وعمق الحفرة يُشير إلى (الوصايا العشر)!

العرض المسرحي

عدة عوامل تجعل هذا العرض لافتاً، بداية من الديكور الذي تمثل بحفرة حقيقية، حيث يتحلق المتفرجون حولها، فكان المكان مسرحاً تحت الإنشاء بالفعل، وأداء الممثلين المتسق مع أبعادهم الجسدية والنفسية، إلا أن كل ذلك يأتي من خلال فكرة غير معقولة، ومغلوطة، فكيف ندعو هؤلاء إلى التكاتف، وعدم الطمع حتى يخرجوا من مأزقهم، وقد انتهى بهم الحال لقتل بعضهم بعضا؟ وهل هذه الفكرة تعبّر أكثر عن الصهاينة أم العرب. فمن هم الذين يحيون خساراتهم ويعيشون في مأزق لم ينته؟ ولو كان الصهاينة في مأزق بالفعل والعرض يلفت نظرهم لذلك، فإن ما نجحوا في تحقيقه حتى الآن في حق العرب يصبح أشبه بمعجزة. ولا نجد إلا عبارات الفنان محمد سعد في دور (اللمبي) ختاماً يليق بصانعي العرض.. «يا تجيبوا لهم حلاوة بالقشطة.. يا توفروا لهم الكُلة».