جهود متواصلة لتعزيز مساهمة المواطنين في القطاع الخاص
في ظل التحولات الاقتصادية العالمية وتسارع التحول نحو اقتصاد المعرفة، تمضي دولة الإمارات العربية المتحدة بخُطىً واثقة نحو تعزيز مشاركة مواطنيها في القطاع الخاص، باعتبارها ركيزةً رئيسية لتحقيق التنمية المستدامة وضمان مرونة الاقتصاد الوطني. وتأتي هذه الجهود ضمن توجُّه استراتيجي شامل يستهدف بناء نموذج اقتصادي متوازن ومتعدد المصادر، يجعل من الكفاءات الوطنية محفّزاً للنمو ومحوراً رئيسياً لدعم منظومة الإنتاج والابتكار.
ويعكس هذا التوجه إدراكَ دولة الإمارات أن تمكين المواطنين اقتصادياً يعد جزءاً لا يتجزأ من العقد الاجتماعي والنهضة التنموية الشاملة. وفي هذا السياق، تمثل مبادرة «باقة عمل المواطن في القطاع الخاص»، التي أعلنت وزارة الموارد البشرية والتوطين عن إطلاقها رسمياً بنهاية عام 2025، محطةً فارقةً في مسار تمكين الكوادر الوطنية. فالمبادرة ليست مجرد خدمة رقمية، بل منظومة مؤسسية متكاملة لإعادة تعريف تجربة التوظيف في الإمارات من خلال دمج الجهات الاتحادية والمحلية والخاصة ضمن منصة رقمية موحدة، تتيح رحلة متكاملة للمواطن منذ التسجيل وحتى مباشرة العمل، معتمدةً على تقنيات الذكاء الاصطناعي وربط قواعد البيانات الحكومية. ويُجسِّد ذلك التوجه الحكومي نحو تصفير البيروقراطية وتحقيق تجربة متعامل رقمية متكاملة تُواكب تطلعات القيادة واستحقاقات التنمية الاقتصادية.
وتمنح المبادرةُ فرصاً أكبر للمواطنين لخوض تجارب مهنية متنوعة في قطاعات حيوية، كالطاقة والصناعة والتكنولوجيا والاقتصاد الأزرق والاقتصاد الإبداعي، بما ينسجم مع توجه الإمارات نحو بناء اقتصاد المعرفة والمستقبل. كما تُعد هذه الخطوة جزءاً من استراتيجية التحول الرقمي الوطني، إذ تتيح للمواطنين التقديمَ على وظائف القطاع الخاص عبر قناة موحدة تضم جميع الإجراءات الإدارية مثل إصدار تصاريح العمل، والتأمين الصحي، والاشتراك في صناديق المعاشات من خلال مسار رقمي واحد. ويُسهم ذلك في تعزيز جاذبية القطاع الخاص ودعم خطط التوطين عبر إزالة العوائق البيروقراطية وتوحيد المعايير والإجراءات بين الجهات المختلفة.
وتعبّر هذه الجهود عن رؤية شاملة لبناء منظومة مستدامة تقوم على شراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، تتجلّى في تحفيز المنشآت الخاصة على استقطاب الكفاءات الوطنية وتوفير بيئة عمل تتيح النمو والتطور الوظيفي المستمر. وتشمل المبادرات الداعمة لهذا الاتجاه برامج وجوائز وطنية تكرِّم الأفرادَ والمؤسسات المتميزة في دعم التوطين والمساهمة في بناء رأس المال البشري الإماراتي.ويمثّل برنامج «نافس» ركيزةً مركزيةً في استراتيجية التوطين، حيث يستهدف توظيف 75 ألف مواطن خلال خمس سنوات، مع توفير حوافز مالية وتأمينية للمؤسسات الأكثر التزاماً. وإلى جانب ذلك، تُسهم مبادراتٌ تخصصيةٌ مثل برنامج «مُصنّعين» في تأهيل الكفاءات الوطنية للقطاع الصناعي، وبرنامج «معلمين» لتوطين التعليم الخاص عبر إعداد آلاف المعلمين المواطنين بحلول عام 2027، في توسيع نطاق التوطين ليشمل القطاعات الحيوية كافة. وتتوافق هذه البرامج مع أهداف الاستراتيجية الوطنية للتشغيل 2031 التي تُركّز على رفع نسب التوطين في القطاعات المستقبلية، وتمكين المرأة وتعزيز منظومة التعلم مدى الحياة، بما يواكب المتغيرات التقنية والاقتصادية.
وقد أثمرت هذه السياساتُ نتائجَ ملموسةً، حيث تجاوز عدد المواطنين العاملين في القطاع الخاص حاجزَ مئة ألف للمرة الأولى، وهو مؤشر على نجاح المسار الوطني في بناء بيئة عمل جاذبة ومستدامة. كما يعكس هذا التحول المتنامي تطورَ الوعي المجتمعي وتغيّر ثقافة التوظيف في القطاع الخاص، الذي أصبح اليوم خياراً مهنياً أساسياً ينطوي على فرص حقيقية للنمو والتطور الوظيفي.
وتؤكد رؤية دولة الإمارات أن التمكين لا يقتصر على توفير الوظائف فحسب، بل يشمل بناء قدرات متكاملة تؤهل المواطنين ليكونوا شركاء فاعلين في تحقيق القيمة المضافة في الاقتصاد الوطني. ومع استمرار التقدم في برامج التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، ستُفتح أمام الكفاءات المواطنة آفاق أوسع في قطاعات التكنولوجيا، والطاقة المتجددة، والفضاء، والصناعات الإبداعية. وبهذا النهج المتكامل، تُعيد دولة الإمارات صياغةَ معادلة التنمية بحيث يصبح رأس المال البشري الوطني المحرك الأساسي للاقتصاد الوطني، مما يعزّز مكانتَها كدولة رائدة في استشراف المستقبل وبناء فرص نوعية للأجيال القادمة.
