عبد العزيز بنعبو

الرباط – «القدس العربي»: أيقظت دعوات لحضور عرض مسرحي «من باب التضامن» أسئلة قلقة حول غياب الجمهور عن المسرح في المغرب، مع بعض الاستثناءات القليلة التي تدخل في باب «الناذر لا حكم»، إذ إن الغالب الأعم أن العروض المقدَّمة في الرباط أو الدار البيضاء أو غيرهما من المدن الكبرى تُقام أمام مقاعد شبه فارغة.
أحدث فصول هذا «العزوف» تمثل في حضور ثمانية أشخاص فقط لعرض مسرحي احتضنه مسرح محمد الخامس في الرباط، ويتعلق الأمر بمسرحية «ماشا مشمشة تريد دورًا في فيلم محاكمة سقراط»، من تأليف وإخراج نبيل لحلو وبطولة صوفيا هادي.
مباشرة بعد العرض، وبعد سلسلة من التدوينات التي أعلن فيها لحلو عن عمله الجديد، نشر تعليقا فيه الكثير من المرارة وبعض «الاعتداد بالنفس» و»الثقة الكبيرة» المعروفة عنه، وكتب على فيسبوك قائلاً: «عُرضت هذه المسرحية الرائعة والعظيمة، الممتعة والعميقة، التي تُضاهي المسرحيات الكبرى التي عُرضت في المسارح الأوروبية والأمريكية، يوم الاثنين 27 تشرين الأول/ أكتوبر، الساعة السابعة مساءً بمسرح محمد الخامس، أمام جمهور لا يتجاوز ثمانية أشخاص.»وأضاف لحلو أنه، برفقة صوفيا هادي، قدّم عرضا رائعا «وكأنهما أمام جمهور غفير»، مشيراً إلى أن العبرة تتمثل في أن «المغرب يفتقر إلى نخبة فكرية وسياسية حقيقية».
ويرى بعض المراقبين أن المخرج المثير للجدل لم يكن يتحدث عن عموم الجمهور، بل عن النخبة تحديدا، لأنه يدرك أن أعماله ليست في متناول الجميع ولا يمكن أن يتابعها جمهور عابر.
ولم تخل تدوينة نبيل لحلو من المشاكسة المعهودة، إذ دعا «جيل زد» إلى حضور العرض واكتشاف المسرحية، محدداً سعر التذكرة في 100 درهم (حوالي 10 دولارات).
أما الباحث والكاتب المغربي منتصر حمادة، صاحب فكرة «الحضور من باب التضامن»، فانطلق من قناعته بضرورة تشجيع الفكر والإبداع عوض «الانجراف وراء التفاهة التي غزت يومياتنا». ونشر على صفحته في فيسبوك صورة من المسرحية مؤكداً بدوره أن «عدد الحاضرين لم يتجاوز ثمانية أفراد».
وأضاف موضحاً أن أعمال نبيل لحلو، سواء في السينما أو المسرح، «أعمال خاصة وغالباً ما تثير الجدل الفني المحمود، لكن ليس إلى حد أن يقتصر الحضور على ثمانية متفرجين»، موجهاً دعوة إلى أصدقائه لحضور العرض الموالي «من باب التضامن».
وعقّب الناقد الفني والكاتب بوجمعة العوفي على بادرة التضامن، واصفاً لحلو بـ «الفنان الاستثنائي في تاريخ السينما والمسرح المغربي»، مضيفاً بحرقة أن «هذا الفنان سابق لزمانه، وللأسف لم يعد هناك جمهور لمثل هذه التجارب المضيئة والمفارقة في المسرح المغربي، بسبب غياب الذوق الفني الجاد وسيادة ذوق التفاهة».
وذهب العوفي إلى حد اعتبار أن الجمهور المغربي أصبح يبحث عن المسرح الذي يقوم على الإيقاع والرقص و»هزّ الأرداف»، لأن «هذا ما أصبح سائداً في الكثير من تجارب (الموجة الجديدة) من المسرح المغربي».
وبعد أن أثنى على مبادرة منتصر حمادة، أضاف قائلا: «بالمعنى الذي طرحه أديب الفلاسفة أبو حيّان التوحيدي عن الغريب، فإن (الغريب من كان غريباً في وطنه، والقريب من كان بعيداً في قُربه). ونحن أيضاً في زمنٍ غير زماننا، فطوبى للغرباء!»
وختم العوفي بمعلومة إضافية مفادها أن نبيل لحلو قدّم مؤخرا عرضا مسرحيا في إحدى المدن المغربية أمام متفرجين اثنين فقط، ولم يُلغِ العرض احتراما لهما.
المخرج والممثل نبيل لحلو يدرك تماماً أن عروضه ليست موجهة للعموم، بل للنخبة، وغالبا ما تثير الجدل سواء من زاوية المواضيع المطروقة أو صياغة خطابه الركحي أو جرأته الفنية.
ودأب في الآونة الأخيرة على نشر مقاطع فيديو من حوارات مصوّرة يعبّر فيها عن أفكاره وآرائه التي يصفها البعض بـ «الصادمة». وفي أحد تلك المقاطع تحدث عن «سعادته» بتقديم عرض أمام متفرجين اثنين فقط، بينما هاجم في مقطع آخر الوزراء والمسؤولين السياسيين لأنهم «لا يذهبون إلى المسرح».
قبل واقعة «ماشا مشمشة»، تكررت في مواقع التواصل شكاوى من غياب الجمهور واتساع الهوة بين المتلقي والفنان، ويرى نقاد أن المسرح المغربي لن يحقق حضوراً وانتشاراً مستداماً ما لم يُستعاد التواصل مع الجمهور.
ورغم الصورة القاتمة، فهناك نقاط ضوء لافتة، إذ لا تزال بعض العروض تعرف إقبالاً جماهيرياً لأنها تلامس حسّ الفرجة لدى المشاهد. وهو ما كان القاعدة في المسرح المغربي خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي حيث عاش فترة ازهار لافت، حين امتلأت المسارح في الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش بالجمهور الشغوف.
اليوم، القاعدة هي «المقاعد الفارغة» و»الغياب المؤلم» للجمهور، رغم الجهود التي بذلتها وزارة الثقافة منذ أن أطلق الوزير محمد الأشعري برنامج دعم الفرق المسرحية، واستمر عليه خلفاؤه إلى غاية الوزير الحالي محمد المهدي بنسعيد.
ويرى مراقبون أن ظاهرة عزوف الجمهور تلقي بظلال قاتمة على المشهد المسرحي المحلي، وتحول القاعات الكبرى إلى فضاءات شبه خالية، والعروض إلى لقاءات محدودة الحضور، في مشهد يعكس أزمة تواصل بين المسرح وجمهوره.
تعددت التفسيرات لأسباب هذا الغياب، فالكثير من الفرق المسرحية تبحث عن جمهور في قاعات فارغة لا يملؤها سوى عدد قليل ممن حصلوا على دعوات مجانية، مما يجعل معاناتها المادية مستمرة بسبب ضعف العائدات، ويجبرها على الاعتماد على الدعم العمومي.
وفي رأي عدد من المخرجين والممثلين، فإن هذا الواقع يؤثر سلباً على الإبداع ذاته، إذ يتحول العرض المسرحي إلى مجرد إجراء إداري يضاف إلى ملف الدعم.