
محمد عبد الرحيم
القاهرة ـ «القدس العربي»: «عندما تتشكل ذاكرة جديدة لا تستطيع عقارب الساعة الحيلولة دون بعثها، ويقف ملاك الموت حائراً أمامها مُعترفاً بعجزه عن خربشتها.. لحظتها ندرك أننا باللون والكلمات والموسيقى نجحنا في تشكيل ذاكرة الجنون». (الفنان أحمد الجنايني من مقدمة معرضه جنون الذاكرة)
بهذه العبارات يقدّم الفنان أحمد الجنايني ــ مواليد عام 1954 ـ معرضه الاستعادي، الذي حمل عنوان (جنون الذاكرة)، والذي أقيم مؤخراً في غاليري (ضي) في الزمالك. يُذكر أن الجنايني كتب أيضاً الشعر والنقد التشكيلي، وتأتي تجربته في صيغة مختلفة عن الكثير من الفنانين المصريين المعاصرين، فقد مزج بين عدة مدارس وأساليب فنية، دون التقيّد بمدرسة بعينها، حتى السريالية، التي تتسم بها أغلب أعماله تأتي في شكل مغاير عن السيريالية الغربية، أو حتى في شكلها المصري من خلال أبرز فنانيها، وعلى رأسهما حامد ندا وسريالته المنتمية إلى اللاوعي الفردي منحازاً لفرويد، أو عبد الهادي الجزار وسريالية اللاوعي الجمعي، كما نادى بها يونغ، فقد مزج الرجل بين المدرستين أو وجهتي النظر، ليخرج بتجربة تخصه وحده.
سريالية مختلفة

من خلال العديد من الأعمال التي ضمها المعرض، والتي تمثل فترات زمنية مختلفة، وبالتالي تتشكل صورة من التطورات والتحولات في أفكار ووعي الفنان، هذه الأفكار ترتبط بالأساس بظروف سياسية واجتماعية يعيشها الفنان ويتأثر بها، بغض النظر عن أفكار وتهويمات بعيدة عن الحياة أو الواقع المعيش. ومنه نجد مفردات اللوحة تجمع بين الخيالي والواقعي، أو المألوف بمعنى أدق، فلا توجد مسافة بعيدة وفاصلة بين العمل الفني والمتلقي، ومن جهة أخرى تصبح اللوحة أكثر تأثيراً من خلال صياغة هذا المألوف في تكوينات وموضوعات، تخضع للخيال الحُر على إطلاقه. هذه السريالية، كما أسلفنا لا ينتهجها الفنان على علتها، بل يتفاعل عبْرها مع مدارس أو أساليب أخرى كالتعبيرية والتجريد، وفق موضوع اللوحة، وحالة الفنان الذي يريد التواصل من خلالها مع المتلقي.
الهوية
ووفق هذه الرؤية نجد فكرة الهوية التي يحاول الفنان التواصل من خلالها في أعماله، لذا لا نجد مغالاة في التغريب، أو ما فوق الواقع، والاستناد دوماً إلى الموروث الحضاري والشعبي، كمفردات من مظاهر الحياة المصرية القديمة، كالأهرامات والمومياوات، ومحاولة إعادتها كعنصر فاعل وحي في اللحظة الراهنة، إضافة إلى العمل في ظل الوعي الشعبي القريب، من ألعاب الأطفال في الحواري والأزقة والريف، ولكن في شكل مغاير تماماً لما هي عليه، ولما اعتادت عليه عين المتلقي من شكل وتكوين. فلعبة مثل (فتّحي يا وردة) وهي لعبة شهيرة بين الأطفال الصغار في وقت سابق ــ وربما حتى الآن ــ تبدو أن البيوت والحيوانات تتشارك اللعب، فنجد فتاتين فوق سطوح البيوت، بينما يسير فوقه أيضاً تمساح أخضر، وكأنه ترك مكانه مُحنطاً فوق باب المنزل، وصعد ليتشارك معهما اللعب.
إضافة إلى تمثيل الحالة الدينية والاحتفالية بشهر رمضان على سبيل المثال، ولهو الأطفال المعهود بالفوانيس، وشخصية (المسحراتي)، ولكن في تكوينات مختلفة تماماً كما هو معروف، حتى البنايات من بيوت وكذا قباب ومآذن دور العبادة، وكأنها بانحناءاتها المبالغ فيها تتشارك الأطفال اللعب، أو الطقس الاحتفالي.
الموروث ورموزه
تحفل اللوحات بعدة رموز تكاد تتواتر لتصبح كالأيقونات، وهي بدورها تتماس وتتفاعل مع مخيلة ووعي المصريين، مثل السمكة والبقرة والغراب، ولكن هنا في تشكيل وحالة مختلفة، فالبقرة تسبح في النهر، والأسماء تسير على الشاطئ، يعتليها طفلان، وقد أصبحت البقرة بأربع أرجل، وقد تم استبدالها بـ(الحمار) كما في الريف والقرى.
موقف مُحيّر
لا تنفصل تجربة الجنايني عن الواقع وأحداثه، مهما بدت لوحاته وأساليبها المختلفة، حتى إن التعبير عن حدث جلل وفق هذه الأساليب يأتي متناسباً تماماً مع ما يفوق الخيال (الثورة). فالفنان يجسد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 ودائرة الثوار المتحلقة حول أحد الشهداء، الذي يتصدر مقدمة اللوحة، والذي يصبح بدوره وكأنه أحد المومياوات، كامتداد تاريخي يكشف هويته ووجوده، إضافة إلى أجساد تتصدر الجزء الأوسط من اللوحة تمثل ألوان العلم المصري. في الوقت نفسه تأتي لوحة، وحتى نعرف أنها لا تنتمي إلى ثورة يناير المجيدة يكتب الفنان رقمي 30 و6. وحتى إن كان الفنان تفاعل وقتها ورسم لوحته المعبّرة عما استشعره، فهل كانت ستضيف شيئاً الآن، بعدما انكشفت خدعة (30 يونيو)، خاصة ونحن بصدد معرض استعادي، لصاحبه حرية الانتقاء في ما يُعرض من عدمه؟

