خاص ـ المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات  ـ ألمانيا وهولندا ECCI

الناتو وروسيا ـ كيف يستعيد الحلف قدرته على الانتشار السريع في الجناح الشرقي؟

تصعد المركبات المدرعة الفرنسية والشاحنات الرومانية على جسر عائم ميكانيكي على نهر مورِش في وسط رومانيا، في إطار مناورة عسكرية واسعة تهدف إلى استعراض قدرة حلف شمال الأطلسي (الناتو) على رفع مستوى قواته بسرعة على جناحه الشرقي المواجه لروسيا. تأتي هذه التدريبات، التي تم التخطيط لها خلال العام 2025 وتُعتبر “مناورة تكاملية” لأعضاء الحلف، بعد إعلان واشنطن في أكتوبر 2025 سحب بعض قواتها من المنطقة. وقد ازدادت الأهمية الاستراتيجية لرومانيا، التي تشترك في حدود يبلغ طولها نحو 650 كيلومترًا (400 ميل) مع أوكرانيا، منذ بدء حرب أوكرانيا عام 2022.

إظهار التضامن الاستراتيجي للحلف

المناورات عسكرية واسعة النطاق في رومانيا تجري في الفترة ما بين 20 أكتوبر و13 نوفمبر 2025 بمشاركة قوات من فرنسا وبلجيكا ولوكسمبورغ وإسبانيا، تحت قيادة فرنسية مشتركة، إلى جانب وحدات من الجيش الروماني. وتشمل التدريبات تدريبات ميدانية مكثفة ورمايات حية بالمدفعية والدبابات، في إطار استعدادات الحلف لتعزيز قدراته الدفاعية على الجناح الشرقي. وتُعد هذه المناورات جزءًا من استراتيجية الردع التي اعتمدها حلف شمال الأطلسي منذ اندلاع حرب أوكرانيا، حيث تسعى الدول المشاركة إلى اختبار سرعة الانتشار وكفاءة التنسيق بين القوات متعددة الجنسيات.

منذ بداية حرب أوكرانيا في فبراير 2022، نشرت فرنسا نحو 1500 جندي في رومانيا، وقررت مضاعفة هذا العدد خلال فترة المناورات الحالية، مع استعداد لرفع العدد إلى نحو 5000 جندي في حال حدوث أزمة أو تصعيد عسكري في المنطقة. ويقول الجنرال الفرنسي ماكسيم دو تران، قائد اللواء المدرع السابع المشارك في المناورة: “يجب أن نُظهر قدرتنا على الاندماج في فرقة تابعة للناتو، وأن نعمل بتناغم تام مع شركائنا الأوروبيين”. وأضاف موضحًا أن هذه التدريبات تُنفذ وفق خطط الدفاع الواقعية التي يعتمدها الناتو على الأراضي الرومانية، وتهدف قبل كل شيء إلى تعزيز التضامن الاستراتيجي للحلف وإرسال رسالة واضحة إلى روسيا مفادها أن أوروبا مستعدة للدفاع عن أمنها المشترك دون تردد.

خلال أحد التمارين، قام مهندسون عسكريون فرنسيون بربط البارجة العائمة الضخمة بضفاف نهر مورِش، بينما كان مهندسون رومانيون، على بعد 200 متر، يبنون جسرًا عائمًا بسرعة. وبعدها يتبادل الفريقان الأدوار. وقال العقيد الفرنسي جيروم باري، قائد وحدة الهندسة الفرنسية: “في أوروبا يوجد مجرى مائي كل 20 إلى 30 كيلومترًا، وعبور الأنهار مهارة معقدة كانت قد فُقدت جزئيًا مع مرور الوقت”.

“إنها مناورة تكاملية”

وقف الجنرال الروماني دورين توما، قائد قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في رومانيا وبلغاريا، يشرف عن كثب على تدريبات ميدانية دقيقة، راقب خلالها مهندسين فرنسيين وهم يدمرون عوائق ميدانية تم تحديد مواقعها مسبقًا بواسطة طائرات مسيّرة صغيرة. وأوضح الجنرال أن العملية ليست مجرد تدريب عسكري، بل “مناورة تكاملية” تهدف إلى تعزيز التنسيق بين القوات المتعددة الجنسيات العاملة في الجناح الجنوبي الشرقي للحلف. وأضاف موضحًا أن المناورة تأتي في ختام دورة تدريبية تستمر لعامين ضمن خطة لدمج القدرات العملياتية المختلفة بين الجيوش المشاركة، مؤكدًا أن القوات وصلت إلى “مستوى جيد جدًا من التناغم الميداني”.

وأشار توما إلى أن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على هذا المستوى من الجاهزية، لأن العناصر البشرية تتبدل باستمرار، كما أن أنظمة الأسلحة والتقنيات العسكرية تتغير بوتيرة متسارعة، ما يتطلب تدريبًا مستمرًا وعمليات تكيّف دائمة. وأكد أهمية الحفاظ على الوتيرة التنظيمية والعملياتية نفسها لضمان الردع الفعّال. وفيما يتعلق بإعلان واشنطن سحب جزء من قواتها من الجناح الشرقي للناتو، شدد توما على أن ذلك “لا يغير شيئًا من الناحية العسكرية”، مذكرًا بأن الولايات المتحدة أثبتت عام 2022 قدرتها على نشر قوات وموارد ضخمة في وقت قياسي. من جانبها، أوضحت وزارة الدفاع الرومانية أن ما بين 900 و1000 جندي أمريكي سيواصلون تمركزهم في البلاد بدلًا من نحو 1700 جندي.

الحاجة إلى “شنغن عسكري”

كانت عملية نقل المعدات العسكرية إلى رومانيا معقدة للغاية من الناحية اللوجستية، إذ واجهت القوات المشاركة سلسلة من العقبات الإدارية التي أعاقت سرعة التنفيذ. فكل مركبة في القافلة العسكرية مطالبة بتوثيق لوحة ترخيصها رسميًا عند عبور كل دولة تمر بها، كما يجب تسجيل أسماء جميع الأفراد المرافقين، الذين تفرض القوانين المحلية مرافقة الشرطة لهم طوال الرحلة لأسباب أمنية وتنظيمية. ويزداد الأمر صعوبة مع القيود التي يفرضها الجيش الفرنسي، إذ يمنع في الغالب نشر الأسماء الكاملة لأفراده حفاظًا على السرية العسكرية، مما يعقّد التنسيق بين الدول المشاركة. وللتغلب على هذه التحديات، طُرحت فكرة إنشاء “ممرات للحركة” ذات طرق محددة وإجراءات مبسطة لتسهيل التنقل العسكري داخل أوروبا. وتعمل هولندا وألمانيا وبولندا حاليًا على تطوير ممر لوجستي يمتد من موانئ بحر الشمال إلى الحدود مع بيلاروسيا. وأوضح المقدم أليكسيس أن توحيد الإجراءات قيد التنفيذ، لكنه يحتاج إلى مزيد من الوقت والتعاون الأوروبي.

النتائج

تعكس المناورات التي يقودها الجيش الفرنسي في رومانيا، بمشاركة قوات من بلجيكا ولوكسمبورغ وإسبانيا، تحولًا استراتيجيًا مهمًا في هيكل الردع الأوروبي بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في أوكرانيا. فالمشاركة الواسعة للقوات متعددة الجنسيات، مع توسيع الانتشار الفرنسي من 1500 إلى نحو 3000 جندي، تعكس انتقال الناتو من مرحلة “الردع الرمزي” إلى مرحلة “التموضع العملياتي”، حيث أصبح الوجود العسكري الدائم في الجناح الشرقي للحلف جزءًا من هندسة الأمن الأوروبي الجديدة. هذه الخطوة لا تقتصر على حماية رومانيا وحدها، بل تهدف إلى حماية حدود الاتحاد الأوروبي الشرقية من أي تصعيد روسي محتمل، سواء في أوكرانيا أو في منطقة البحر الأسود.

من الناحية التكتيكية، تمثل هذه المناورات تطبيقًا عمليًا لمفهوم “الجاهزية القتالية المشتركة”، الذي يسعى الناتو من خلاله إلى تحقيق التكامل بين القوات الأوروبية المختلفة تحت قيادة موحدة. وهو ما عبّر عنه الجنرال الفرنسي ماكسيم دو تران حين شدد على ضرورة إثبات القدرة على الاندماج ضمن فرقة تابعة للناتو. هذا التكامل يعزز ثقة الحلف في قدرته على التحرك السريع في حال نشوب أزمة، ويعيد بناء شبكة الردع التقليدية التي تراجعت بعد الحرب الباردة. كما تُظهر المناورات أن فرنسا، التي لطالما دعت إلى “استقلالية الدفاع الأوروبي”، لا ترى تناقضًا بين تعزيز دورها داخل الناتو وبين طموحها لقيادة محور دفاع أوروبي مستقل نسبيًا عن واشنطن.

مستقبلاً، يمكن قراءة هذه التحركات كجزء من استعداد أوسع لاحتمال امتداد التوترات إلى مناطق جديدة مثل مولدوفا أو البحر الأسود. ومع إعلان الولايات المتحدة خفضًا جزئيًا لوجودها العسكري في أوروبا الشرقية، تزداد أهمية المبادرات الأوروبية الذاتية في سد الفجوة الدفاعية. ومن المتوقع أن يؤدي هذا الاتجاه إلى تعزيز التعاون الفرنسي الألماني الروماني في مجالات النقل العسكري والبنية التحتية الدفاعية، بما في ذلك إنشاء “الممر العسكري الأوروبي” الذي تسعى برلين ولاهاي ووارسو إلى استكماله لتسهيل حركة القوات.

لكن التحدي المستقبلي الأكبر يكمن في الاستدامة المالية والسياسية لهذه الجهود، إذ إن استمرار الحشد العسكري على المدى الطويل يتطلب توافقًا داخل الاتحاد الأوروبي بين مؤيدي تعزيز الردع ومَن يخشون الانجرار نحو سباق تسلح جديد. ومع ذلك، يبدو أن الاتجاه العام في أوروبا يتجه نحو تبني واقعية أمنية جديدة تجعل من رومانيا محورًا استراتيجيًا في منظومة الدفاع الأوروبية لعقد قادم على الأقل.

رابط مختصر.. https://www.europarabct.com/?p=111390