الفن لا يقوم على النكايات، ولا يزدهر بالتجارة فقط، إنه وثيقةُ وعي جمعي للأمم.
من يملك رواية الشعوب يملك تاريخها ومخيلتها.
حين تُنتزع الحكاية من مبدعيها الطبيعيين وتُسلّم لرجال المال، يتحوّل الفنان إلى روبو، لا إلى خالقٍ للمعنى.
ليست القضية بين مصر ولبنان والخليج، بل بين الرسالة والسلطة، بين من يرى الفنّ طريقًا للتفكير، ومن يراه وسيلةً للتلميع والمجاكرة.
الفنّ لا يُستورد، بل يُولَد*
نضال الأحمدية
الدراما العربية، التي وُلدت من رحم القاهرة ونضجت على تلال بيروت، تواجه اليوم اختبارًا جديدًا، اسمه المال.
من زمن الرسالة إلى زمن السوق
في الخمسينات والستينات، والسبعينات، كانت الدراما العربية ابنة الحلم القومي.
الممثل كان نبيًّا صغيرًا، يحمل على كتفيه وجع الناس.
في مصر، كانت الشاشة مرآة الطبقة العاملة، وفي لبنان، كانت خشبة المسرح صوت الفلاسفة والشعراء.
لكن الزمن تغيّر.
صارت الكاميرا تُدار بالميزانية لا بالفكرة، والنصّ يُكتب على مقاس الراعي لا على مقاس الضمير والإبداع.
تحوّلت الدراما من فعل مقاومة إلى سلعةٍ في بورصة النفوذ الإعلامي.
وبات المبدع العربي يعيش على هامش منصّاتٍ عملاقة تُقرّر من يسطع ومن يُلغى.
المال ديكتاتور جديد
والسؤال الآن، ليس “من يدفع؟” بل “لماذا يدفع؟”.
وحين يتحوّل الدعم إلى أداةٍ لتوجيه الذوق العام، وحين يُصبح المخرج مدينًا لرغبة المموّل، يختنق الفنّ، حتى ولو ازدهرت الصورة.
ما يحدث الآن ليس دعمًا للدراما، بل إعادة رسمٍ لخارطة القوة الثقافية في العالم العربي.
القاهرة وبيروت، اللتان كانتا مركزَي الحلم، تُدفَعان تدريجيًا إلى الهامش، بينما تُبنى في الصحراء مدنٌ ضخمة للإنتاج والإبهار البصري، لكن بعمقٍ وظيفي لا إنسانيٍّ يليق بتاريخ الفن العربي.
من يملك الحكاية… يملك الذاكرة
الفن لا يقوم على النكايات، ولا يزدهر بالتجارة فقط، إنه وثيقةُ وعي جمعي للأمم.
ومن يملك رواية الشعوب يملك تاريخها ومخيلتها.
وحين تُنتزع الحكاية من مبدعيها الطبيعيين وتُسلّم لرجال المال، يتحوّل الفنان إلى روبو، لا إلى خالقٍ للمعنى.
لذلك، ليست القضية بين مصر ولبنان والخليج، بل بين الرسالة والسلطة، بين من يرى الفنّ طريقًا للتفكير، ومن يراه وسيلةً للتلميع والمجاكرة.
الدراما لا تُشترى، ولا تُبنى بمدنٍ ترفيهية أو بإعلانات موسمية.
هي ابنة الأرض التي تفهم الوجع، والفنّ الحقيقي لا يولد من القصور، بل من الأزقّة التي تصنع الحكايات.
من القاهرة خرج صوت عبد الحليم يبكي الأمة، ومن بيروت خرج زياد الرحباني يضحك على وجعها، واليوم، من حقّنا أن نسأل:
هل سيبقى للفن العربي قلبٌ ينبض، أم سنُسلّمه طوعًا إلى السوق الذي لا يؤمن إلا بالربح؟
حين يُمسك رأس المال بمفاتيح الضوء، يُصبح من الضروري أن نقول:
كلّ استثمارٍ في الفن لا يحرّر الإنسان، فإنه شكلٌ جديد من الرقابة.
وكلّ إنتاجٍ لا يسأل عن الوجع، هو إعلانٌ تجاريٌّ باسم الجمال.
قد تُشيّد الأبراج في الصحراء، لكنّها لن تُنبت ذاكرة.
الدراما لا تُصنع بميزانية، بل بنَفَسٍ من صدقٍ إنسانيٍّ يُشبه التراب الذي خرجنا منه.
الفنّ سيبقى حُرًّا، حتى لو غُلِقَت عليه الأبواب، لأن الضوء الحقيقي لا يُطفأ، بل يتسلل إلى فضاءات جاهزة لمعانقته.
نضال الاحمدية
