.قراءتي نضال الأحمدية لمقامات (وبترحل) رامي عياش استعنت بأساتذة مختصين
في حوار تلفزيوني، القاهرة اليوم، عام ٢٠١١، سألتُ الموسيقار المصري العظيم عمار الشريعي
لماذا تخلّى الملحنون عن المقامات الخمسة الأخرى؟ وأهمها مقام البيات؟
فضحك من قلبه وقال ساخرًا كعادته: “أصل البيات صعب.”
ضحكته كانت مريرة أكثر منها ساخرة؛ لأنّها كانت اعترافًا بأنّ الصعوبة لم تعد تُغري أحدًا.
ملحم بركات كان يعرف ذلك، وكنت اعتقدت أنه كان آخر من قرّر ألّا يخاف من الصعوبة. لكن رامي عياش حسم امر التخمين.
ملحم بركات كان يتنقّل بين المقامات داخل الخانة الواحدة، كأنّ الموسيقى عنده كائن حيّ يتقلّب في العاطفة من دون إذن.
في لحظة واحدة، قد يبدأ على بيات، يقفز إلى سيكاه، يعود إلى عجم، ثم يترك القرار الأخير للحجاز.
تمامًا كما يترك العاشق قلبه للموجة الأخيرة قبل أن يغرق.
ملحم بركات لم يكن يبحث عن الجمال فقط بل عن الدهشة.
كان يعرف أن الجمال سهل، ويُصنع.. أما الدهشة فتولد من المخاطرة.
اليوم، حين نستمع إلى الأجيال الجديدة من الملحنين، نشعر كأنهم يعيشون في نصف سلّم موسيقي فقط.
يغنّون بأذن واحدة، ويرقصون على نغمة واحدة.
وإن جرّبت أن تضع اعمالهم على آلة، ستكتشف أنّها لا تخرج عن مقامين اثنين: الكُـرد والنهاوند، وهما مقامان آمنان، مريحان، يشبهان المساحة الرمادية التي يختبئ فيها الملحنون الجبناء.
كأنّ بقية المقامات السبعة الشرقية، الحجاز، الرست، البيات، السيكاه، العجم، صارت تراثًا ممنوع اللمس.
نسوا أنّ المقام ليس مجرد سلمٍ صوتي، بل منطق حياة: البيات يئنّ، الحجاز يشتاق، الرست ينهض، العجم يتوّج، والسيكاه يتذكّر.
ملحم وحده كان يجرؤ أن يتنقل بمعظمها في أغنية واحدة.
لذلك بقي صوته خالدًا، ليس لأنه الأشجى، بل لأنه الأصدق في مخاطبة المقامات كما يُخاطب العشّاق بعضهم، بمزاج، وبجنون، وبصدق لا يعرف التكرار.
كل فنانٍ يغنّي كما يعيش، لكن قلّة الذين يعيشون كما يُغنّون.
رامي واحدٌ من القلة، لا يهرب من صورته، بل يكرّسها لحنًا وصوتًا ومقامًا.
رامي عياش وبترحل
في “وبترحل”، رامي عياش يخرج من صفوف المغنين والملحنين الذين لعنوا سنسفيل الاغنية العربية منذ ٢٠ سنة وحتى الآن..
لا يكتفي رامي عياش بأن يغنّي الوجع، بل ينسج من المقامات رحلةً نفسية دقيقة تبدأ من الحنين وتنتهي بالسيطرة.
كل انتقال موسيقي فيها يُشبه تقلب الإنسان بين مراحل الفقد والوعي.
تبدأ الأغنية على مقام النهاوند، مقام المتزنين في أحزانهم، أولئك الذين لا يبكون علنًا، ويتحدون مع الصبر ضد الفقد.
هكذا يطلّ رامي كما نعرفه: أنيقًا أيضًا في وجعه.
ثم ينتقل إلى مقام البيات عند جملة “رح موت”، وهنا يتعرّى الصوت للحظة، إذ يخسر بعض اتزان ملوكي ويقر بالوجع.
البيات من أهم المقامات التي تساعد على صياغة جملة موسيقية تقدم الاعترافات، وكأن القلب قال ما لا يريد العقل أن يسمعه.
بعدها يشتعل اللحن بالحجاز في “وبتعرف إنو دموعي”، حيث تمتزج الشرقيّة بالأنين.
الحجاز مقام الندم والحبّ الذي لم يمت رغم كل شيء.
في هذه اللحظة تحديدًا، يتحوّل الحزن إلى حرارة.
وأخيرًا، يقفل على مقام العجم في (كيف عني غِبت)، وكأنه يعود إلى توازنه بعد العاصفة.
العجم مقام الملوك، مقام الذين يبكون من الداخل لكن يقفون باستقامة في النهاية.
هكذا تتحوّل “وبترحل” من أغنية حبّ إلى رحلة عبر المقامات الأربعة، كل مقام فيها يعادل مرحلة من مراحل الإنسان حين يُحبّ ويُخذل ثم يُشفى.
رامي عياش، من خلال هذا البناء، قدّم نموذجًا مختلفًا:
كيف يمكن للأغنية أن تُشبه صاحبها حتى في نَفَسها الموسيقي.
كل فنانٍ يغنّي كما يعيش، لكن قلّة هم الذين يعيشون كما يُغنّون.
رامي واحدٌ منهم، لا يهرب من صورته، بل يكرّسها لحنًا وصوتًا ومقامًا.
نضال الأحمدية
