
لندن – «القدس العربي» : يعود المخرج الأمريكي سبايك لي في فيلمه الجديد «من الأعلى إلى الأدنى» Highest to Lowest ليختبر واحدة من أكثر اللحظات حسماً في السينما الكلاسيكية الحديثة: لحظة الاختيار الأخلاقي في مواجهة المنفعة، والضمير في مواجهة المال. الفيلم اقتباس حرّ من رائعة أكيرا كوروساوا High and Low 1963، لكنه ليس استنساخاً ولا محاولة للتحديث، أو نقل الأحداث إلى مكان مختلف، بل إعادة كتابة من الداخل، محاولة لزرع السؤال ذاته في تربة أمريكية مختلفة، بين صخب نيويورك وضجيج موسيقاها، ووجوهها المنقسمة بين قمة الثراء وقاع الهامش. ومع أن سبايك لي حافظ على جوهر الحكاية، وهو اختطاف طفل لم يكن هو المقصود بعملية الاختطاف، ومأزق الرجل الثري الذي يُطلب منه دفع فدية لطفل ليس ابنه، فإنه نقلها من أسلوب البوليسي الياباني المتأمل إلى عالم حضري نابض بالأسئلة الاجتماعية والهوية الطبقية والذاكرة السوداء التي تسكن معظم أعماله.
دينزل واشنطن، في أحد أكثر أدواره نضجاً منذ «مالكوم إكس»، يؤدي شخصية ديفيد كينغ، منتج موسيقي أسود، يملك شركة ضخمة وموقعاً متنفذاً في الصناعة، رجل يعرف معنى الصعود من الصفر، يعرف رائحة الشوارع، لكنه يعيش اليوم في برج زجاجي مرتفع يطل على المدينة التي أنجبته ونسيته في آن واحد. في لحظة مفصلية من تاريخه كمنتج موسيقي، يتلقى اتصالاً غامضاً يخبره أن ابنه قد اختُطف، قبل أن يتضح لاحقاً أن المخطوف هو ابن صديقه وسائقه. المفارقة التي بنى عليها كوروساوا تحفته، تعود هنا بثوب جديد: هل يدفع الرجل ثروة لإنقاذ طفل ليس ابنه؟ وهل يمكن للضمير أن يتجاوز الحدود التي رسمها المال والنفوذ؟ لكن سبايك لي لا يكتفي بإعادة إنتاج السؤال الأخلاقي، بل يحمّله بطبقات أخرى: التوتر الطبقي، عبء التاريخ العرقي، صورة الرجل الأسود الناجح الذي يخاف أن يخسر كل شيء أمام كاميرات الصحافة البيضاء، والعلاقة الملتبسة بين الولاء الشخصي والمسؤولية العامة.
كينغ ليس غوندو الياباني في فيلم كوروساوا، الذي يواجه مأزقه بصمتٍ وتأملٍ، بل هو رجل تحركه الذاكرة بقدر ما تشلّه. في عينيه بريق الكبرياء ذاته الذي رفعه، وفي قلبه خوف قديم من العودة إلى «الأسفل» الذي جاء منه. لهذا يبدو عنوان الفيلم أكثر من استعارة طبقية، بل رحلة داخل النفس بين الأعلى والأدنى، بين ما نحققه وما نخسره في طريق الصعود.

يبدأ الفيلم داخل فضاء زجاجي مغلق، حيث يجلس كينغ محاطاً بمديري أعماله وشاشاته وقراراته. الضوء البارد يعكس صرامة العالم الذي بناه. في هذا القسم الأول، تذكّرنا الكاميرا بلقطات كوروساوا الداخلية الطويلة، حيث كان كل شيء يدور داخل غرفة واحدة، لكن لي يضخّ في المشهد حركة دائمة: الموسيقى، الهواتف، الأخبار، وصخب المدينة الذي لا يصمت. الاختطاف لا يحدث في فراغ، بل في زمنٍ يراقب فيه الجميع الجميع. الهواتف الذكية، تطبيقات تحديد المواقع، الكاميرات المنتشرة في كل زاوية، كلها أدوات تذكّر بأننا نعيش في زمن لا مكان فيه للغموض، ومع ذلك يظل الخطر حاضراً، كما لو أن الشفافية التكنولوجية ليست إلا قناعا جديدا للظلام. حين يتضح الخطأ، ويتبيّن أن الصبي المخطوف ليس ابن كينغ، يبدأ الجزء الحقيقي من الفيلم، يقف كينغ في مواجهة ضميره: كيف يتصرّف الفرد حين لا تفرض عليه القوانين شيئا، بل يواجه فقط ضميره؟ كينغ يمكنه أن يتراجع بسهولة: أن يقول إن الصبي الذي اختُطف ليس ابني، أن يكتفي بالتعاطف والبيان الصحافي، لكن الفيلم يحوّل المسألة إلى مرآة للمجتمع نفسه، إلى اختبار للطبقة التي تعتقد أنها صعدت بما يكفي لتتحرر من التضامن الإنساني. وفي هذا الاختبار يشتبك لي، كالعادة، مع أسئلته الأثيرة: العِرق، الأخلاق، الطبقة، والسلطة.
المثير أن الفيلم لا يصوّر كينغ بطلاً طاهراً بعيداً عن النوازع، بل يراه، كما هو، رجلا عالقا بين الرغبة في الإنقاذ والخوف من الانكشاف، في بعض لحظاته، يبدو كينغ على حافة الانهيار النفسي، كأنه يدرك أن القرار الذي سيتخذه لن يغيّر فقط مصير الطفل، بل صورته في أعين نفسه. هنا بالضبط يتفوّق أداء دينزل واشنطن؛ في النظرات المترددة أكثر من الكلمات، في التنهيدة التي تتردد قبل كل جملة، في تلك اللمحة التي تكشف صراعاً داخلياً بين الرجل العصامي والرجل المرهق من العصامية. يتحول الفيلم بعد ذلك إلى مساحة مفتوحة، يخرج من الأبراج إلى الشوارع. في هذه المرحلة يقترب لي من الجانب البوليسي لكوروساوا، لكن بأسلوبه الخاص، حركة كاميرا مضطربة، لقطات قريبة تكشف القلق، حوار سريع يتداخل مع موسيقى الجاز والهيب هوب. كل ذلك يعيدنا إلى جذور سينما سبايك لي في «افعل الصواب» Do the Right Thing حيث المدينة نفسها تتحول إلى شخصية، تتنفس وتغضب وتراقب. لكن ما يهمه هنا ليس لغز الجريمة بقدر ما يهمه أثرها على الوعي الجمعي: كيف تنعكس الفدية على المدينة؟ كيف تُرى التضحية من الأسفل؟ ومن يملك حق الغفران؟
في المقابل، يبني لي شخصية المختَطِف بعناية تبتعد عن الكاريكاتير. الشاب الذي ينفذ الجريمة ليس مجرد مجرمٍ تقليدي، بل ضحية أخرى للهوة الطبقية. في بعض اللقطات نكاد نشعر بأنه وجهٌ آخر لكينغ، نسخته المرفوضة التي لم تنجُ من الفقر. وبينهما، وكما هو الحال في فيلم كوروساوا، يمتد جسر هشّ من الإدراك: كل واحد منهما يرى نفسه في الآخر، لكن الزمن فصل بينهما بطبقة من الزجاج السميك. هذه الازدواجية بين «الأعلى» و»الأدنى» هي جوهر الفيلم، وهي ما يمنحه بعده الفلسفي والأخلاقي في آن واحد.
من الناحية البصرية، يعتمد لي على ألوان متناقضة: الأبيض اللامع في الطوابق العليا، والرمادي المائل إلى الأزرق في الشوارع السفلى. الضوء نفسه يتحول إلى رمز للطبقة، النوافذ الشفافة التي تحجب أكثر مما تكشف. الإيقاع متوتر، أحيانا أكثر مما يحتمل، لكن ذلك جزء من أسلوب لي الذي يرفض السكون، يريد أن يصرخ الصورة كما تصرخ المدينة. الموسيقى، بدورها، ليست مجرد خلفية، بل معادل روحي: مزيج من الجاز الكلاسيكي وإيقاعات الهيب هوب، يعبّر عن الصراع بين الماضي والحاضر، بين الجيل الذي صنع المكان والجيل الذي يحاول سرقته أو استعادته. مع ذلك، لا يخلو الفيلم من نقاط ضعف. فالإيقاع المتذبذب في منتصفه، وبعض الحوارات التي تشرح أكثر مما تعبّر، تقلل من وقع الصراع الأخلاقي في بعض اللحظات. كما أن إدخال التكنولوجيا كعنصر سردي، متمثلة في الهواتف الذكية، المراقبة، الاتصالات، يضعف أحيانا التوتر الأساسي: كيف نصدق عملية اختطاف في عالمٍ مرصود بكل هذه الوسائل؟ لكن هذه الثغرات لا تفسد جوهر العمل، لأنها تنتمي إلى طبيعته المتوترة: فيلم يبحث عن التوازن في عالمٍ فقد قدرته على التوازن.
في المشهد الأخير، نرى كينغ يقف أمام نافذة شاهقة، المدينة تحته، الأضواء تومض بلا توقف. لا نعرف إن كان قد نجا أو خسر، لكننا نعرف أنه تغيّر. هذا المشهد هو تحية مباشرة لكوروساوا، لكن بروح سبايك لي التي لا تكفّ عن مساءلة العالم. بين الأعلى والأدنى، لا يختار الفيلم جانباً واحداً، بل يضعنا في المسافة بينهما، تلك المسافة هي الضمير.
بهذا العمل، يثبت سبايك لي أنه ما زال صانعاً للجدل وللأسئلة، وأن السينما، مهما تغيّرت تقنياتها، لا تزال قادرة على إعادة طرح السؤال الأول: كم تساوي حياة إنسان؟ في زمنٍ تُقاس فيه القيمة بالأرباح والمشاهدات وعدد المتابعين.
