أصبحت الطائرات المسيرة (الدرونز) سلاحاً حاسماً يغير موازين القوى في المعارك، بعد أن أصبح العالم يتسم بالتوترات الجيوسياسية والحروب الهجينة، في كل أرجاءه .. وتركيا اليوم -الدولة الإسلامية- واجهت عقوداً من القيود الدولية على تصدير الأسلحة، بما في ذلك حظر أمريكي على الطائرات المسيرة المسلحة في العقد الأول من الألفية الجديدة، خوفاً من استخدامها في صراعات داخلية مثل تلك مع حزب العمال الكردستاني.

كما فرضت كندا حظراً على تصدير مكونات الكاميرات في 2021، وأدى شراء تركيا لأنظمة S-400 الروسية إلى إخراجها من برنامج مقاتلات F-35 الأمريكي، مع فرض عقوبات إضافية.

تركيا تحول الضغوط لدافع لإنتاج المسيرة بيرقدار

هذه القيود لم تكن أبداً النهاية، بل بداية قصة نجاح مذهلة: تحولت إلى دافع للاستقلالية التكنولوجية، مما أدى إلى إنتاج “بيرقدار TB2″، الطائرة المسيرة التي أصبحت رمزاً للقوة الجوية التركية وأداة تصدير تجاوزت المليارات، مستخدمة في نزاعات من ليبيا إلى أوكرانيا.

وقد تم تصنيفها بأنها من “أقوى المسيرات في العالم” بفضل فعاليتها وتكلفتها المنخفضة.

من الحظر إلى الابتكار: قصة التحول التركي

بدأت قصة “بيرقدار TB2” في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما رفضت الولايات المتحدة تصدير درونز مسلحة إلى تركيا، معتبرة إياها غير موثوقة في استخدامها ضد التهديدات الإرهابية.

لم يكن هذا الحظر الأول: منذ التسعينيات، واجهت تركيا قيوداً أوروبية وأمريكية على التكنولوجيا العسكرية، مما دفع الحكومة إلى إطلاق برنامج “الصناعة الدفاعية الوطنية” في 2004، يهدف إلى توطين 50% من الإنتاج بحلول 2023 – هدف تجاوزته ليصل إلى 80% اليوم.

شركة بايكار، التي أسسها عائلة بيرقدار في إسطنبول كمورد لقطع غيار السيارات، تحولت إلى عملاق درونز، حيث طور TB2 في 2014 كحل محلي كامل، يعتمد على تصميم تركي 93% محلي الإنتاج.

نزاعات أثبتت كفاءة بيرقدار

مع تصاعد النزاعات، أثبتت بيرقدار TB2 قيمتها .. ففي 2020، غيرت مجرى حرب ناغورنو-كاراباخ لصالح أذربيجان، ودمرت عشرات الدبابات الأرمينية، ثم في ليبيا، وأخيراً في أوكرانيا، حيث أصبحت رمزاً للتفوق.

واليوم، صدرت تركيا أكثر من 500 وحدة من TB2 إلى 30 دولة، بقيمة تصدير تجاوزت 4 مليارات دولار، مما جعلها الرابعة عالمياً في إنتاج الدرونز. هذا التحول لم يكن مصادفة، بل نتيجة مباشرة للقيود التي دفعَت إلى الابتكار، كما يؤكد سلجوق بيرقدار.

سلجوق بيرقدار: “الحظر لم يوقفنا .. بل دفعنا للاستقلال”

سلجوق بيرقدار، المهندس الذي يدير بايكار، وصهر الرئيس أردوغان منذ زواجه بابنته صوفي عام 2016، هو الوجه البارز لهذا النجاح .. وفي تصريحات له، يصف بيرقدار كيف تحولت العقوبات إلى فرصة، مشدداً على أن الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية كان “قيداً” أكثر من الحظر نفسه.

سلجوق بيرقدار رئيس مجلس إدارة شركة بايكار التركية

وقال إن حظر التكنولوجيا على تركياً كان دافعاً لنا للتصنيع المحلي، والبحث عن استقلالية القرار .

وأضاف: “نحن نفخر بإنتاجها بنسبة مساهمة محلية 93%، وهو ما يعد رقماً قياسياً عالمياً” .. وهذه التصريحات تعكس فلسفة بيرقدار: القيود ليست عقبة، بل “محفز” للتوطين، مما ساهم في جعل TB2 “تصميماً تركياً كاملاً، بما في ذلك جميع مكوناته، الحواسيب، البرمجيات، الأجهزة، الديناميكا الهوائية، والميكانيكا”.

لماذا “بيرقدار TB2” هي الأقوى؟

تعد “بيرقدار TB2”  نموذجاً للدرونز متوسطة الارتفاع طويلة المدى (MALE)، قادرة على التحليق لمدة 27 ساعة بسرعة تصل إلى 222 كم/ساعة، ومدى اتصال 300 كم، مما يتيح استطلاعاً وهجوماً دقيقاً باستخدام صواريخ موجهة بالليزر مثل MAM-L.

وقوتها تكمن في التكلفة المنخفضة (حوالي 2 مليون دولار للوحدة، مقابل 20 مليون لـMQ-9 Reaper الأمريكي)، مما يجعلها مثالية للحروب غير المتكافئة حيث تدمر أهدافاً مدرعة بكفاءة عالية دون مخاطر بشرية.

تجربة ناجحة في الحروب

في النزاعات، أحدثت TB2 ثورة تكتيكية .. ففي أذربيجان، دمرت أكثر من 100 دبابة أرمينية، لتعطي أكبر مثال على تحول الحرب الجوية التقليدية نحو “السرب الجوي غير المأهول”، حيث يستخدم الذكاء الاصطناعي للتنسيق الآلي.

وعالمياً، أدى انتشارها إلى “انتشار الدرونز الرخيصة”، مما يهدد الدول الكبرى بفقدان تفوقها الجوي، ويعزز نفوذ تركيا الدبلوماسي كـ”مزود أسلحة” في أفريقيا وآسيا.

اقرأ أيضاً.. أكبر 10 جيوش في العالم 2025.. دولتان إسلاميتان في الترتيب

نسخ الرابط
تم نسخ الرابط