في خطوة تُعد من أكثر التحركات الطموحة في تاريخ البلاد، تسعى أفغانستان إلى قيادة مشروع سكك حديدية ضخم يربط بين أوزبكستان في أقصى الشمال وباكستان في الجنوب، مرورًا بقلب الأراضي الأفغانية، في محاولة لتحويل موقعها الجغرافي من عبء تاريخي إلى ورقة قوة اقتصادية وجيوسياسية. المشروع، المعروف باسم “Trans-Afghan Railway”، يُنظر إليه بوصفه أكبر مشروع سكة حديد في منطقة آسيا الوسطى منذ عقود.

محور بري استراتيجي بين آسيا الوسطى والمحيط الهندي

يستهدف المشروع إنشاء ممر لوجستي يعبر حدود ثلاث دول، ويمنح دول آسيا الوسطى، وعلى رأسها أوزبكستان، منفذًا مباشرًا إلى موانئ باكستان على بحر العرب. ويبلغ الطول الكامل للخط بين 1,700 و1,800 كيلومتر، منها نحو 800 كيلومتر داخل أفغانستان مرورًا بمزار شريف وكابول قبل الوصول إلى بيشاور الباكستانية.

هذا الربط الجنوبي يوفر طريقًا أقصر وأسرع بكثير أمام تجارة آسيا الوسطى، ويسمح بتجاوز طرق تقليدية تعتمد على روسيا وإيران، وهو ما ترغب دول المنطقة في تغييره منذ سنوات.

مسار قطار أوزبكستان – أفغانستان – باكستان الجديدمشروع تجاري بحت.. لا مكان فيه لفكرة “القطار السريع”

ورغم الصور اللامعة وتصميمات الفيديو المتداولة على منصات التواصل، فإن المشروع ليس خط قطارات فائقة السرعة كما يُروَّج له؛ بل هو خط شحن تجاري بالأساس. وتشير الدراسات الأولية إلى أن السرعات المتوقعة ستتراوح بين 60 و100 كيلومتر/الساعة للبضائع، مع إمكانية تشغيل قطارات ركاب بسرعات تتراوح بين 120 و160 كيلومترًا/الساعة إذا قررت الدول الثلاث إضافة هذه الخدمة مستقبلًا، وهي ليست ضمن الأساس الاقتصادي للمشروع.

تضاريس سلسلة جبال هندوكوش تجعل بناء خطوط عالية السرعة أمرًا شبه مستحيل دون مضاعفة التكلفة عدة مرات.

تكلفة تتراوح بين 4.8 و7 مليارات دولار

تقدّر دراسات الجدوى الخاصة بالمشروع إجمالي الاستثمارات بين 4.8 و7 مليارات دولار، وهو رقم يعتمد على المسار النهائي وعدد الأنفاق والجسور داخل الأراضي الأفغانية. ويمثل الجزء الممتد بين مزار شريف وكابول أكبر تحدٍّ هندسي، نظرًا لمروره في مناطق جبلية وعرة تتطلب أعمالًا إنشائية ضخمة.

وتتوقع أوزبكستان وأفغانستان وباكستان أن يحقق المشروع عوائد كبيرة من رسوم العبور ونقل البضائع، مما يعزز من مكانة الموانئ الباكستانية ويفتح نافذة بحرية للدول المحاصرة جغرافيًا في آسيا الوسطى.

أفغانستان.. من نقطة ضعف إلى مصدر قوة

في بلد يفتقر إلى بنية اقتصادية مستقرة، ترى الحكومة الأفغانية في المشروع فرصة نادرة لتحويل موقعها الجغرافي إلى مورد دخل ثابت من رسوم الترانزيت. فمرور آلاف الأطنان من البضائع سنويًا عبر الأراضي الأفغانية قد يوفر مصدرًا مهمًا للإيرادات، ويوفر آلاف الوظائف المرتبطة بالتشغيل والصيانة والخدمات.

كما يعكس المشروع طموحًا سياسيًا تحاول من خلاله كابول إعادة تموضعها داخل شبكة التجارة الإقليمية، بعد سنوات طويلة من العزلة والنزاع.

ممر قد يعيد تشكيل طرق التجارة الإقليمية

إذا اكتمل تنفيذ الخط، فسيمثل تحولًا جذريًا في حركة البضائع بين الشمال والجنوب، وسيخلق ممرًا منافسًا لممرات أخرى تعتمد عليها المنطقة، سواء عبر روسيا أو إيران أو الطرق البحرية الطويلة. كما سيمنح أوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان بديلًا لوجستيًا سريعًا للوصول إلى الأسواق العالمية.

مع ذلك، لا يزال المشروع يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالتمويل، والاستقرار الأمني في أفغانستان، وتعقيدات التضاريس الجبلية، ما يجعل استكماله مرهونًا بإرادة سياسية قوية وتعاون إقليمي مستمر.

محاولة جريئة تعيد رسم الجغرافيا

يُعد مشروع Trans-Afghan Railway محاولة جريئة لربط قلب آسيا الوسطى بالمحيط الهندي عبر ممر بري جديد يعيد رسم الجغرافيا الاقتصادية للمنطقة. ورغم أنه مشروع تجاري بالدرجة الأولى، وليس خط قطارات سريعة كما تصوره بعض الفيديوهات، إلا أن تأثيره المحتمل على حركة التجارة الإقليمية قد يكون بالغ الأهمية إذا نجحت الدول المعنية في تخطي التحديات وبدء التنفيذ على الأرض.

اقرأ أيضا.. بين الإدانة الدولية والحاجة العسكرية.. لماذا يرغب الجيش الأمريكي في تصنيع 30 ألف قذيفة عنقودية؟

نسخ الرابط
تم نسخ الرابط