يتحدث ميرفي عن بداياته التي تمحورت حول تقليد الشخصيات التي يعرفها (نتفليكس)

بثت منصة نتفليكس على مدار السنوات الماضية مجموعةً من الوثائقيات التي تكتشف حياة الفنانين في الولايات المتحدة الأميركية، سواء كنا نتحدث عن أولئك الناجحين، مثل آرنولد شوارتزنيغر وسيلفيستر ستالون، أم عن ذوي النهايات المأساوية مثل مغني الراب بيغي. وقدمت المنصة منابر للشخصيات الإشكالية المحاطة بالفضائح، مثل تشارلي شين.
أخيراً، بثت “نتفليكس” وثائقياً عن الممثل الأميركي الشهير إيدي ميرفي، بعنوان “أن تكون إيدي” (Being Eddie). 
يبدأ الفيلم بمشهد لمنزل ميرفي، أو لنقل قصره، ومجموعة لقطات لأبرز الأدوار التي لعبها، من عروض الكوميديا النادرة التي قدمها في نهاية الثمانينيات، مثل Raw عام 1987، مروراً بالشخصيات التي لعبها، أو تلك التي عرفناه فيها صوتاً فحسب، مثل في دوره حمار في فيلم “شريك” (Shrek) الصادر عام 2001.
“أن تكون إيدي” أقرب إلى مقابلة حميمية مع ميرفي، يتحدث فيها عن فن الكوميديا والإضحاك، وعلاقة الكوميديا بـ”السود” في الولايات المتحدة، فضلاً عن تحول ميرفي إلى رمز من رموز الكوميديا، بحسب شهادة ديف شابيل الذي يظهر في الوثائقي، والأمر نفسه مع شهادة جيري ساينفلد وكريس روك وغيرهم من نجوم الكوميديا الأميركيّة. كلهم يقدمون شهاداتهم وتجربتهم مع هذا “الأسطورة” الذي بدأ يؤدي أمام الجمهور منذ أن كان مراهقاً.
تظهر أساطير الموهبة الفذّة في الوثائقي، إذ يحدثنا ميرفي كيف بدأ يؤدي منذ عمر التاسعة، وكيف كان يحدق في التلفاز حالماً بأن يكون نجماً، وهو يشاهد مباريات محمد علي كلاي، واضعاً نفسه في جيل أوباما وأوبرا وينفري ومايكل جوردان وغيرهم ممن سماهم “السود ذوي الإنجاز”. هذا ما اتضح لاحقاً في أثناء حملة انتخاب أوباما، إذ التفّت حوله الشخصيات السوداء في أميركا، لنرى أنفسنا أمام قوّة انتخابية هوياتية، تحتفي بانتخاب أول رئيس أسود للولايات المتحدة.
يقدم لنا ميرفي درساً في الكوميديا، إذ يتحدث عن بداياته التي تمحورت حول تقليد الشخصيات التي يعرفها ويراها على التلفاز. هذه القدرة على تقمص شخصيات أخرى، تتضح لاحقاً في أفلامه التي يلعب فيها العديد من الشخصيات، تلك التي أكسبته القدرة على أن يكون مؤدياً متعدد المواهب وليس كوميدياً فحسب، إذ يتنقل من الكوميديا إلى الأدوار الجدية، انتهاء بإنتاج الأفلام العائلية التي نالت شهرة واسعة. 
يقدم ميرفي نموذجاً مختلفاً عن نجاح “السود”، فهو ليس رجل عصابات تحول إلى مغني راب، بل من أسرة تقليدية، رعت موهبته إلى أن وصل إلى النجومية، ليدخل المجتمع الراقي، ليس من باب المال فقط، بل من باب الموهبة أيضاً، ليتحول إلى ما يسمى “نجم شباك تذاكر”.
كل من يقدمون “شهاداتهم” بميرفي، يتحدثون عن صورة “السود” التي قدمها، صورة بعيدة عن النمطية، إذ قدم صورة الملك الأفريقي ورجل الشرطة الشريف والعالم العاشق، وغيرها من الأدوار التي، ببساطة، لا تتمحور فيها حياة الرجل الأسود حول العنف وتداعياته. حتى في العلن، نراه يجري مقابلات مع نجوم البرامج الحوارية الليلية بوصفه رجلاً أسود مؤدباً ومضحكاً.

يحتفي الوثائقي بإيدي ميرفي و”أصدقائه”؛ مجموعة من أبرز أسماء الكوميديا يتحدثون عن زميل لهم، فتحوُّل فن الكوميديا إلى “عمل” مر بمراحل كثيرة قبل أن يصبح صناعة لها نجومها ورأسمالها، وهذا ما حصل منذ عدة سنوات، حين تبنت “نتفليكس” هذه الصناعة وأطلقت مهرجان Netflix is a joke.
اللافت أيضاً هو زمن بث الوثائقي، إذ تتعرض الكوميديا الساتيرية إلى هجمات كثيرة يشنّها تيار الصحوة السياسية أو ترامب، أو جموع اليمين. هكذا، تحول الكوميديون إلى آخر المدافعين عن حرية التعبير، وربما هذا النوع من الاحتفاء يمثّل تكريماً ليس فقط لميرفي نفسه، بل لفن الكوميديا عموماً، الذي تحول من هواية إلى صناعة تقدر بالملايين، يقف نجومها أمام الجمهور ليختبروا النكات ويتحملوا الشتائم.