في أروقة مستشفى نفسي مهجور في بودابست، يتحرّك فريق تصوير بين جدران متداعية، يحضّر مشاهد فيلم رعب جديد ضمن موجة إنتاجات هوليوودية اختارت العاصمة المجرية محطة لها. لكن ما يبدو خط صعود ثابتاً لصناعة سينمائية تُعرف اليوم بـ”هوليوود على الدانوب” مهددٌ حالياً بسبب رسوم جمركية يلوّح بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
كارولي رادناي، أحد أبرز خبراء الضرائب في البلاد، يرى أن الأمر قد يدمّر هذه الصناعة: “إنه أشبه بنيزك يقترب. إمّا أن يمرّ، أو أن يصدمنا”. فالمجر، التي جذبت شركات الإنتاج بمواقع تصوير فريدة وتكاليف منخفضة ونظام حسومات يشجّع على الاستثمار، بنت خلال السنوات الأخيرة قطاعاً بقيمة مليار دولار سنوياً، يستقطب إنتاجات ضخمة من “ديون” وصولاً إلى فيلم “ذا بروتاليست” المتوّج بجوائز بافتا وغولدن غلوب.
لكن اقتراح ترامب فرضَ رسوم بنسبة 100% على الأفلام المنتجة خارج الولايات المتحدة، بحجّة أن الصناعة الأميركية “تموت بسرعة”، فتح باب القلق. ورغم اتفاق الخبراء على أن نقل الإنتاج للخارج أضعف هوليوود، إلّا أنهم يشككون بأن الرسوم ستحلّ المشكلة. تيموثي هيفنز، الباحث في جامعة آيوا، يعتقد أن المنتجين سيجدون طرقاً للالتفاف على أي قرار جديد، خصوصاً أن بودابست تحوّلت إلى مركز إنتاج عالمي بفضل استوديوهاتها الحديثة وتنوّع عمارتها، وباتت وجهة مفضلة لمنصات البث التي تحتاج إلى بصريات معقّدة وكلفة إنتاج مقبولة.
أرقام العام الماضي تعكس حجم الطفرة: 910 ملايين دولار أنفقتها المشاريع الأجنبية في المجر، معظمها إنتاجات أميركية. وإلى جانب المال، تراهن الحكومة على القيمة المعنوية: صور النجوم على خلفية معالم بودابست، والخبرة التي يكتسبها الفنيون المحليون من كبار السينمائيين. ومن بين قصص النجاحات اللافتة، مصممة الديكور زوزانا شيبوش، التي بدأت كمساعدة لخبراء أجانب ثم حملت جائزة أوسكار عام 2022 عن فيلم “ديون”.
لكن تحت هذا اللمعان، يسود القلق من قرار حكومي بإيقاف تسجيل المشاريع في برنامج الحسومات المالية، ما جعل مستقبل النظام، الذي يتيح استرداد 30% من الإنفاق المحلي، ضبابياً مع اقتراب الانتخابات المقبلة. يحاول المسؤولون طمأنة القطاع، لكن بعض المنتجين يحذّرون من هشاشة الوضع.
المنتج دانييل كريسميري يلخّص مشهد القلق على أحد مواقع التصوير: “الأمور تعمل حتى الآن… لكنها قد تنهار بسهولة”. وفي انتظار قرار سياسي يحسم مصير واحد من أنشط قطاعات الفن في أوروبا الشرقية، تبقى بودابست واقفة بين نجاح حاضر وتهديد قد يغيّر قواعد اللعبة بالكامل.
(فرانس برس، العربي الجديد)
