أثار مذيع في إذاعة الجيش الإسرائيلي غضباً سياسياً بعد نعيه الفنان والمخرج الفلسطيني محمد بكري الذي رحل أمس الأربعاء، واصفاً إياه بالمحبوب والمدهش، وهو ما دفع أحد أعضاء الكنيست لاعتبار ذلك مبرراً آخر لإغلاق الإذاعة، التي قد يتوقف بثها في مطلع مارس/ آذار المقبل بقرار من الحكومة لعدم رضاها عن توجهاتها.

وتطرق المذيع آدم غباي، وهو نجل فنان إسرائيلي يُدعى ساسون غباي، إلى خبر وفاة محمد بكري الذي كان قد ورد للتو خلال بثّ برنامجه أمس، وهو ما أثار غضب المستمعين وعدد من أعضاء الكنيست، بحسب ما أشارت إليه وسائل إعلام عبرية. وقال غباي: “في الوقت الذي نبث فيه، توفي الممثل المحبوب المدهش محمد بكري، وهو بالفعل من كبار الكبار. عناق كبير لعائلة بكري. (إنه) حقاً من كبار الكبار”.

من جهته، علّق عضو الكنيست أفيحاي بوآرون من حزب الليكود على أقوال المذيع، وكتب عبر حسابه على منصة إكس: “بكري، المخرج الذي قدّم جنود الجيش الإسرائيلي كمجرمي حرب، والذي ألزمته المحكمة بدفع تعويضات لجنود في الجيش الاسرائيلي بسبب التشهير الذي نشره ضدهم، مع التأكيد على أن فيلمه (يقصد “جنين جنين”) يتضمن أكاذيب وافتراءات، ويشكّل تشويهاً متعمّداً للمقاتلين ويسيء لسمعة جنود الجيش الإسرائيلي”.

وتابع بوآرون مزاعمه: “بكري الذي انضمّ إلى منكري الهولوكوست عندما قال: لم يحقّقوا في ما إذا كان ما قاله الناجون من الهولوكوست صحيحاً، ولم يحقّقوا في رواية الألمان الذين فعلوا ذلك. هذا البكري نال هذا الصباح ثناءً في إذاعة الجيش الإسرائيلي على لسان أحد مذيعي المحطة الذي قال عنه: من كبار الكبار وعناق كبير لعائلته. كل من كان بحاجة إلى مبرّر لسبب وجوب إغلاق هذه المحطة، حصل عليه هذا الصباح”.

ونقل موقع هيوم العبري ردّ إذاعة جيش الاحتلال الإسرائيلي بأن “الحديث يدور عن تصريح قاله مقدّم برنامج مجلّاتي (منوعات) بشكل عرضي، أثناء اطّلاعه على الخبر لأوّل مرة وخلال بث مباشر. التصريح لم يتطرّق إلى الصورة الكاملة، والمقدّم تناول فقط عمل بكري بصفة ممثل سينمائي ومسرحي، ومن هذه الزاوية فقط. في حديث مع المقدّم، أعرب عن أسفه على الطريقة التي قيلت بها الأمور”.

وجاء في الردّ أيضاً: “نؤكد أن التصريح لا يعكس موقف المحطة. تغطيات أخرى أُجريت في المحطة تناولت الموضوع بشكل مختلف ونقدي، وتطرّقت أيضاً إلى حقيقة أن الحديث يدور عن شخص أساء إلى سمعة مقاتلي الجيش الإسرائيلي. يؤسفنا استخدام تصريح واحد لتشويه نشاط المحطة وكل بثّها”.

وكان الممثل والمخرج الفلسطيني محمد بكري قد رحل أمس الأربعاء في مستشفى نهاريا، بعد أقلّ من شهر على بلوغه 72 عاماً، إثر معاناته من مشاكل في القلب والجهاز التنفسي، وطرأ تدهور مفاجئ على حالته الصحية في الآونة الأخيرة، ما استدعى مكوثه في المستشفى منذ أيام حتى وفاته أمس. ويعتبر الراحل أحد أبرز الوجوه الفنية الفلسطينية التي حملت هموم هذه القضية إلى خشبة المسرح وشاشات السينما العربية والعالمية.

وترك المخرج الذي وُلد في قرية البعنة في الجليل الفلسطيني المحتل وشبّ وترعرع بين نضاله الفني والإنساني، بصمة في تاريخ السينما الفلسطينية من خلال أعماله الدرامية والوثائقية التي تناولت الحياة الفلسطينية تحت الاحتلال، وكان صوتاً قوياً للفلسطينيين في الساحة الفنية.

ويعدّ فيلم “جنين، جنين” (2002)، من أبرز أعماله، إذ وثّق آثار الاجتياح الإسرائيلي لمخيم جنين، وجسّد من خلاله معاناة الناس وروح المقاومة الفلسطينية، وحاز الفيلم جوائز دولية رغم التحديات القانونية التي واجهها.

لم يُستقبل الفيلم بوصفه عملاً سينمائياً فحسب، بل بوصفه فعل اتهام، ما أدخل محمد بكري في دوّامة طويلة من الملاحقات القضائية والاستدعاءات إلى المحاكم، وفرض عليه دفع مبالغ كبيرة، فضلاً عن التضييق والمنع. ومع ذلك، لم يتراجع عن قناعته بأن الخطر الحقيقي هو طمس السردية الفلسطينية، لا تبعات الدفاع عنها.