تنشط الدوائر المعنية في الاتحاد الأوروبي بحثاً عن حل لفراغ محتمل قد يخلفه انسحاب القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان “اليونيفيل” بعد انتهاء مهمتها عام 2027. ويتم التداول في أروقة مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل وفي عواصم أوروبية لا سيما في باريس وروما، بسلسلة أفكار واقتراحات لصيغ عملية تقترح استبدال “اليونيفيل” ببعثة أوروبية، ولكن بمهام تتناسب مع المرحلة الجديدة.
ولأن فرنسا تفضل أن تلعب دائماً الدور الريادي في الملف اللبناني فهي تتحرك بصورة منفصلة عن الدول الأوروبية وتسعى إلى أن يكون مؤتمر دعم الجيش المتوقع انعقاده مبدئياً في فبراير (شباط) المقبل، مناسبة للخروج بحل لليوم التالي على رحيل القوات الدولية من الجنوب وقابل للتنفيذ.
في المقابل كشفت مصادر دبلوماسية أوروبية لـ”اندبندنت عربية” عن ورقة مشتركة بين عدد من الدول من بينها إسبانيا وإيرلندا تم عرضها على لجنة السياسة والأمن في الاتحاد الأوروبي من المتوقع أن تكون مدار بحث داخل اللجنة في الأسابيع المقبلة. واللافت أن الورقة قد أعدت من قبل وزارات الدفاع في الدول صاحبة الاقتراح، في مؤشر إلى الطابع العملياتي العسكري لمهمة البعثة الأوروبية المقترحة للمرحلة الانتقالية في جنوب لبنان ما بعد “اليونيفيل”.
في تفاصيل الاقتراح
تقترح الورقة، التي اطلعت عليها “اندبندنت عربية”، والمعدة من عدد من الدول الأوروبية وفرنسا ليست ضمنها، أن يستكشف الاتحاد الأوروبي إمكانية إنشاء بعثة أوروبية للتدريب والمساعدة العسكرية لدعم لبنان. وتنص على أن الهدف هو توفير الدعم التدريبي والاستشاري العسكري المنظم والمنسق والقابل للتوسع للجيش اللبناني، بهدف مساعدته على الانتشار الفعال والمستدام جنوب نهر الليطاني وتعزيز قدراته على تنفيذ القرار الأممي رقم 1701 في مرحلة ما بعد قوات “اليونيفيل”. ويتضمن نص الاقتراح تشكيل بعثة تدريب مدنية لتقديم التدريب لقوى الأمن الداخلي اللبنانية، بما يسمح لها بتولي دور أكبر في الأمن الداخلي، مما قد يتيح للجيش التركيز على مهامه الدفاعية الأساسية.

يستكشف الاتحاد الأوروبي إمكانية إنشاء بعثة أوروبية للتدريب والمساعدة العسكرية لدعم لبنان (ا ف ب)
ومن الأفكار المقترحة أن تضم البعثة وحدات تدريب فردي وجماعي من مستوى الفصيل حتى اللواء، مع ضرورة حماية القوة لمعسكرات التدريب وفرق التدريب المتنقلة، وتحديد المسؤوليات ذات الصلة.
إضافة إلى تقديم تدريب متخصص في أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، وإزالة المتفجرات، وغيرها من المهام، بما في ذلك الاتصال الاستراتيجي والعمليات النفسية والاعتراض البحري. وتطوير القيادات للضباط وضباط الصف في المستويين الأدنى والمتوسط، وإدماج قضايا النوع الاجتماعي وحقوق الإنسان بما يتماشى مع قرار مجلس الأمن 1325 وقيم الاتحاد الأوروبي.وتقديم المشورة العسكرية لقيادة الجيش اللبناني بناء على طلبها.
ووفق الورقة المعدة، قدرت المخصصات الأولية بقيمة تراوح ما بين 100 و150 مليون يورو لفترة السنتين، مع إمكانية التوسع بحسب قدرة الجيش اللبناني على الاستيعاب والتطورات الإقليمية. ويقارن ذلك بموازنة سنوية لبعثة الاتحاد الأوروبي في أوكرانيا تقدر بنحو 204.5 مليون يورو سنوياً.
الخلفية والدوافع
تنطلق الدول الأوروبية في مقاربتها للوضع اللبناني من أهمية الحفاظ على الاستقرار فيه لما لذلك من تأثير مباشر عليها، خصوصاً أن لبنان جارها القريب هو أيضاً مضيفاً لأعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين والنازحين السوريين. وترى الدول الأوروبية أن بلد الأرز يقف حالياً عند مفترق طرق حاسم، فإما أن يواصل التقدم السياسي التدريجي الأخير للخروج من دائرة الجمود الداخلي والعنف المدمر الذي لازمه لعقود، أو أن ينزلق بسهولة مجدداً إلى وضع الدولة الفاشلة وساحة صراع للآخرين. ويؤكد مصدر دبلوماسي أوروبي أن الاهتمام بما بعد “اليونيفيل” مرتبط بالأخطار التي يمكن أن تزيد جراء ذلك، خصوصاً أن انسحابها سيبرز بصورة حادة أيضاً مسألة قدرة الدولة اللبنانية، لا سيما القوات العسكرية التابعة لها، على استعادة السيطرة الفعلية على جنوب لبنان، مقابل استمرار التهديد الذي تشكله الجهات المسلحة غير الحكومية.
ويشرح أن الاتحاد الأوروبي لم يتوقف عن دعم استقرار لبنان عبر المساعدات المالية والإنسانية ودعم قطاع الأمن. ففي عامي 2024–2025، التزم تقديم أكثر من مليار يورو دعماً للبنان، من بينها 500 مليون يورو للإصلاحات وإدارة الحدود وتطوير قطاع الأمن، إضافة إلى 8 ملايين يورو لمرحلة ما بعد النزاع وبناء قدرات قوى الأمن الداخلي والمركز اللبناني للأعمال المتعلقة بالألغام، ويستفيد الجيش اللبناني من الدعم عبر مرفق السلام الأوروبي.
إسرائيل معترضة وأميركا غير متحمسة
وفي السياق يكشف المصدر نفسه أن إسرائيل أبلغت الدول الأوروبية التي راجعتها في موضوع إرسال بعثة أوروبية إلى جنوب لبنان عدم موافقتها على أن تحل أي مجموعة دولية جديدة مكان “اليونيفيل” بعد انتهاء ولايتها، وأن تل أبيب تطالب بأن يتحمل الجيش اللبناني وحده المسؤولية الأمنية جنوب نهر الليطاني. مما يعني أن إسرائيل تفضل معادلة أمنية ثنائية واضحة: إما أن يتولى الجيش اللبناني المسؤولية الكاملة، أو تحتفظ تل أبيب بحرية التحرك.
ويعد الموقف الإسرائيلي الرافض والمعطوف على غياب حماس الجانب الأميركي لدعم المقترح الأوروبي، أحد التحديات الأساسية التي قد تعترض أي اقتراح أوروبي يسعى إليه الاتحاد لملء الفراغ في الجنوب بعد رحيل القوات الأممية عن جنوب لبنان.
يسأل محللون عن مدى استعداد الاتحاد الأوروبي على تشكيل بعثة تحقق في آن واحد هواجس السيادة اللبنانية، تتوافق مع الخطوط الحمراء الإسرائيلية والأميركية، تجنب تكرار أو استبدال دور “اليونيفيل”، وتحافظ أيضاً على الصدقية والاستدامة السياسية والمالية لدى الدول الأعضاء. ولعل السؤال الجوهري الذي سيطرح خلال مناقشات لجنة الأمن والسياسة هو مدى امتلاك الاتحاد الأوروبي في هذه المرحلة القدرة السياسية والعسكرية للاضطلاع بدور واضح وفاعل في جنوب لبنان، في ظل استمرار معادلات الردع مع إسرائيل والتهديدات المرتبطة بها؟ وهل ستتمكن الدول المشاركة في بعثة عسكرية أوروبية، إذا ما فهمت على أنها بديل فعلي لـ”اليونيفيل”، من مواجهة الاعتراضات التي كانت تتعرض لها قوات حفظ السلام؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فرنسا بدور منفصل
يستعد الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان للعودة إلى بيروت خلال الأسبوع الأول من العام الجديد، حاملاً معه صيغة فرنسية لمرحلة ما بعد انسحاب قوات “اليونيفيل”. غير أن مشاركته في اجتماع لجنة الآلية (الميكانيزم) المقرر عقده في السابع من يناير (كانون الثاني) المقبل لا تزال غير محسومة. وفي هذا السياق، يكشف الصحافي المقيم في فرنسا والمتخصص في الشؤون الأوروبية تمام نور الدين أن باريس تسعى بقوة لتكون القوة الرئيسة الموجودة في جنوب لبنان. وتعمل حالياً على اقتراح يشمل تعاوناً مع إيطاليا لسد الفراغ الناتج من رحيل القوات الدولية.
لكن نور الدين يشدد على فارق جوهري وهو أن الدور المرتقب للقوات الفرنسية يختلف كلياً عن دورها السابق ضمن “اليونيفيل”. فالجيش الفرنسي في المرحلة المقبلة لن يقبل أي اعتداء عليه، وسيرد بحزم على أي محاولة للتعرض له، سواء جاءت من “أهالي” الجنوب أو غيرهم. فحماية كرامة الجيش الفرنسي وهيبته ستكون الأولوية القصوى، وهذا يختلف جذرياً عن وضع كتيبة تعمل ضمن إطار القوات الدولية، على حد قوله.
وفيما يستبعد نور الدين تشكيل قوة أوروبية موحدة شاملة، يؤكد أن فرنسا وإيطاليا ستشكلان العمود الفقري لأي بعثة مستقبلية في الجنوب اللبناني، مشيراً إلى أن الجانب الفرنسي ينسق هذا الملف مع الحكومة اللبنانية، وأن الطلب الرسمي سيصدر من الجانب اللبناني. ويختم نور الدين بتأكيد أن أي وجود للقوات الفرنسية سيتم بالتنسيق الكامل مع الجيش اللبناني، وسيستمر حتى يتمكن الأخير من استكمال انتشاره وبسط سيطرته على كامل المنطقة الجنوبية.

4 سيناريوهات لما بعد “اليونيفيل”
بدوره يشدد العميد المتقاعد سعيد القزح على أن أي وجود عسكري أجنبي على الأراضي اللبنانية يجب أن يكون بطلب من الحكومة وباتفاق مسبق يحدد تفاصيل الدور والمهام والعدد والسلاح، إضافة إلى قواعد الاشتباك واستعمال القوة مع أي تهديد.
ويرى العميد المتقاعد أن السيناريوهات المحتملة لما بعد “اليونيفيل” تتوزع على أربعة خيارات.
أولاً، الاستعانة بقوة مراقبة شبيهة بـ”أندوف” (القوات الأممية الموجودة في الجولان منذ عام 1974)، تتمركز على طول الخط الأزرق لتسجيل الخروق وإفادة الجهة المكلفة عن أي أعمال تتناقض مع وقف النار، لكن اعتمادها بحسب القزح يتطلب موافقة إسرائيل واعترافها بالتقارير، ومن المستحسن دعمها بقرار من مجلس الأمن لاكتساب الشرعية الدولية.
ثانياً، تشكيل قوة مساندة للجيش اللبناني للانتشار على الحدود، تقدم الدعم لبناء المراكز العسكرية وأبراج المراقبة، على مثال الأبراج التي أسهمت بريطانيا في بنائها على الحدود مع سوريا، وإقامة مراكز مشتركة مزودة بتقنيات المراقبة، وقد يتطلب ذلك موافقة إسرائيلية.
ثالثاً، تشكيل قوة أوروبية مستقلة على غرار المثال البلقاني، بمهمة قتالية وأمنية وصلاحيات أوسع لمنع أي خروقات أو وجود مسلح لغير الجيش اللبناني. ويحتاج هذا السيناريو إلى غطاء دولي وموافقة صريحة من الحكومة اللبنانية على استعمال القوة ضد أي وجود عسكري غير شرعي في المنطقة التي تنتشر فيها هذه القوات أو بالتصدي لأي خروقات أو توغلات إسرائيلية باتجاه الحدود اللبنانية.
لكن القزح يستبعد اعتماد هذا الخيار لعدم استعداد الدول الأوروبية للتضحية بعناصرها خصوصاً بعد الحرب الأوكرانية، ولرفض الثنائي أي حركة “أمل” و”حزب الله” لوجود أية قوة قتالية قد تعوق إعادة بناء قدرات الحزب كما حصل بعد حرب عام 2006.
ويختم بأن السيناريو الرابع قد يكون تشكيل قوة تدريب ومساعدة للجيش اللبناني، علماً أن المؤسسة العسكرية، يشدد القزح” تملك الكفاءات اللازمة وتحتاج فقط للدعم اللوجيستي من عربات مدرعة وأسلحة متوسطة وثقيلة ووسائل مراقبة متطورة. هذه المهمة تحتاج موافقة الحكومة اللبنانية فحسب، ويمكن أن توجد مراكز التدريب في كامل الأراضي اللبنانية وليس فقط جنوب الليطاني.
