Published On 1/1/20261/1/2026

|

آخر تحديث: 17:40 (توقيت مكة)آخر تحديث: 17:40 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

share2

يأتي مسلسل “المتلاعب به” بوصفه نموذجا واضحا لتحولات الدراما الكورية في السنوات الأخيرة، حيث لم تعد موجهة إلى جمهورها المحلي فحسب، بل أصبحت تصاغ بوعي صريح للسوق العالمي ومنصاته التي صارت لاعبا أساسيا في تشكيل ذوق الجمهور.

العمل لا يخفي طموحه التجاري ولا رهانه على الإثارة البصرية والعنف المنظم بوصفهما مفاتيح عبور سريعة إلى جمهور عابر للثقافات. من هذه الزاوية، يبدو العمل نتاجا واعيا بشروط السوق وهو ما يضعه داخل خانة الترفيه المصقول، أكثر من كونه امتدادا طبيعيا للتقاليد الدرامية الكورية التي عرفت بالاشتباك العاطفي والإنساني.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

منذ حلقاته الأولى، يفرض المسلسل إيقاعه القاسي والمكثف، مستندا إلى حبكة انتقامية مألوفة مغلفة بدراما تشويقية وإخراج محكم. وبينما يبدو كل شيء في مكانه تقنيا، يظل السؤال الحاضر: هل يقدم العمل ما يجعله أكثر من كونه منتجا تليفزيونيا مثيرا أم أنه يطمح إلى قول شيء يتجاوز الاستهلاك السريع؟

حين تنحاز العدالة لأصحاب النفوذ

تدور أحداث مسلسل “المتلاعب به” (The Manipulated) حول عامل توصيل يعيش حياة عادية قائمة على العمل الجاد والمسؤولية اتجاه أسرته الصغيرة، يجد نفسه -فجأة- متورطا في جريمة لم يرتكبها، ليكتشف لاحقا أنه كان ضحية لعبة محكمة أدارتها نخبة ثرية تتعامل مع البشر بلا ضمير بالتواطؤ مع منظومة عدالة منحازة للأقوى.

ومع توالي الحلقات، لا يظل الصراع محصورا في إثبات البراءة، بل يتحول المسار إلى كشف من يقف خلف المؤامرة، ويتحول البطل من ضحية منسحقة إلى فاعل داخل شبكة العنف ذاتها، ساعيا إلى كشف الحقيقة وإذاقة من دمروا حياته نفس الكأس.

تعتمد الحبكة على تصعيد متواصل حيث تتكشف المؤامرة تدريجيا وتتصاعد المواجهات الجسدية والنفسية دون مساحة للتأمل أو التباطؤ، إذ تبنى كل حلقة بوصفها خطوة إضافية في طريق الانتقام أكثر من كونها مساحة لتفكيك الشخصيات أو استكشاف دوافعها.

4 أسباب لمشاهدة “المتلاعب به”

أول ما يحسب للمسلسل هو الإيقاع المحكم، الأحداث تتحرك بسرعة محسوبة تبقي المشاهد في حالة انتباه دائم. ومن جهته أدّى المونتاج دورا أساسيا في إيجاد إحساس بالعجلة والتوتر المستمرين، وهو الخيار الذي تماشى مع طبيعة العمل بوصفه مسلسل إثارة بالدرجة الأولى.

وقد برز الإخراج البصري بوصفه أحد أعمدة العمل الذي تميز بلغة بصرية شديدة العناية، حيث الإضاءة المدروسة، وزوايا التصوير التي تضفي إحساسا بالبرودة والعزلة، بما يعكس عالم النخبة الثرية المنفصلة عن الإنسانية. كما صممت مشاهد العنف بدقة عالية وقدمت كعروض مدروسة أكثر من كونها انفجارات فوضوية، مما منحها تأثيرا صادما ومباشرا حتى وإن كانت مثيرة للجدل.

أما على مستوى الأداء التمثيلي، فقد قدم جي تشانغ-ووك (في دور البطل المظلوم “تاي جونغ”) أداء لافتا، استطاع أن يعكس من خلاله مزيجا من الهشاشة الداخلية والانضباط الخارجي، لنشهد تحوله من شخص منهزم إلى شخصية أكثر سيطرة بشكل تدريجي مقنع، مع حضور جسدي واضح وقدرة على التعبير الصامت حيث حملت نظراته قدرا كبيرا من الشحنة الدرامية.

كذلك برع النجم دو كيونغ سو (في دور يو هان) بتقديم شخصية الثري السيكوباتي، في حين قدم باقي الممثلين أدوارا جيدة دون خروج عن الإطار الذي رسمه النص والإخراج.

ويحسب للعمل انسجامه التقني العام دون خلل واضح في الموسيقى التصويرية، ولا تنافر بين الصورة والحركة، مما جعل التجربة سلسة وسهلة الاستهلاك، وهو الهدف الذي بدى مقصودا بوضوح.

4 عيوب لا يمكن التغاضي عنها

رغم هذا الإتقان، وتصدر المسلسل قوائم المشاهدة في كوريا الجنوبية محتلا المرتبة الأولى لمدة أسبوعين متتاليين بعد عرضه، ووصوله المرتبة الثانية عالميا في تصنيف ديزني بلس قبل عرضه الأخير، فقد عابه أربع مشكلات فنية لا يمكن التغاضي عنها.

أولا: الفقر على مستوى العمق الدرامي

ظهرت شخصيات الخصوم أحادية البعد إلى درجة كبيرة، في حين قدمت النخبة الثرية بوصفها شرا خالصا، كاريكاتيريا أحيانا، دون محاولة حقيقية لفهم آليات السلطة أو تعقيداتها النفسية والاجتماعية، وهو ما أضعف الصراع، وحول المواجهة إلى معادلة مباشرة تفتقر إلى الغموض الأخلاقي.

ثانيا: الإفراط في استعراض العنف

أفرط العمل في استخدام العنف والقسوة لا بوصفهما أدوات سردية ضرورية وإنما عناصر جذب بصرية جرى تجميلها وتضخيمها، مما أفرغها من قيمتها الدرامية وحولها إلى عناصر مستهلكة فقدت تأثيرها مع الوقت.

ثالثا: غياب الأثر الإنساني

رغم المعاناة القاسية التي تعرض لها البطل، فإن السرد لم يسمح لهذه المعاناة بأن تهدد بنيته أو تفتح أسئلة وجودية عميقة، كل شيء يعود في النهاية إلى مسار الانتقام، دون مراجعة جدية لثمن العنف أو آثاره النفسية الطويلة الأمد، كما لو أن صانعي المسلسل أصروا على أن يظل العمل داخل منطقة الأمان الترفيهي دون مخاطرة فنية حقيقية.

رابعا: الابتعاد عن الخصوصية الثقافية الكورية

بمتابعة مسلسل “المتلاعب به”، يمكن القول إن القائمين عليه قرروا -بوعي- الابتعاد عن الروح الكورية الخاصة التي طالما ميزت الكي-دراما، مستعيضين عنها بقوالب إثارة غربية جاهزة، لينتهي بنا الأمر أمام عمل يفتقر إلى الفرادة، يمكن تقديمه في أي مكان لكونه منتجا عالميا بلا هوية واضحة.

فن أم سلعة؟

قدم مسلسل “المتلاعب به” تجربة ترفيهية عالية الكفاءة، مصممة بعناية لتلبية متطلبات المنصات العالمية وجمهورها الباحث عن الإثارة السريعة. ورغم عيوبه السابق ذكرها، فلا يمكن وصفه بأنه فاشل فنيا، لكنه أيضا ليس خطوة إلى الأمام في تطور الكي-دراما، بل انعكاس صريح لتحولها إلى سلعة عالمية تدور بسلاسة داخل ماكينة السوق.

“المتلاعب به” دراما كورية نفسية وإثارة، صدرت مؤخرا عبر منصة “ديزني+”، وهي مكونة من موسم واحد ضم 12 حلقة، يمكن الانتهاء منها في عطلة نهاية الأسبوع. لهذا يعتبر العمل مثاليا لمحبي الأعمال القصيرة. المسلسل بطولة جي تشانغ-ووك، دو كيونغ-سو، لي كوانغ-سو، وجو إيون-سو.