يُعَدّ رشيد الضعيف أحد أبرز الروائيين اللبنانيين من جيل الحرب. تتّسم كتابته بالحيوية والانسيابية، ويتنقّل بأسلوبه المتقن بين طيّات الأوراق، حابسًا أنفاس القارئ في روايته الجديدة “ندم إبليس”، الصادرة عن دار الساقي عام 2025.
غلاف الكتاب ذو السواد الداكن من جهة، وطريق النار المحفوفة بالمخاطر من جهة أخرى، ما هي إلاّ لسان نار الجنّ الممتدّ طويلًا، النافخ في جسد الإنسان، ويحوّله إلى قطعة من ليل، “ليس من عظم ولحم ودم كما تقول الرواية، بل من ليل” (ص: 91)، في إشارة إلى درب جهنّم. ولكن، هل لسيّد جهنّم مشاعر ندم تتآكله سعيًا لخلاص بني آدم؟
هذا السؤال يقودنا إلى فكرة الرواية بحدّ ذاتها. في البدء، من يقرأ رشيد الضعيف في رواياته السابقة يعترف أنّه أمام روائي جريء وصادق، سواء لجهة ولوجه في عالم الميثولوجيا، وبالتالي تأثيره في القرّاء ودفعهم إلى الخوض معه في عالم الأساطير وحيوات الجنّ، أو لجهة طرحه موضوعات حسّاسة كالهوية والجنس والعلاقات الإنسانية. لكنّ الحال تتمايز أمام روايته الجديدة، التي تمضي بخطوات متقدّمة نحو العالمية.
أمّا لماذا “ندم إبليس”، فيربط الكاتب العنوان بالعهد الذي قطعه جدّ الجنّ الأوّل، أي إبليس، على آدم. فهل اعترت إبليس نفسه مشاعر ندم؟ ولمَ لا؟ على القارئ أن يكتشف أحداث الرواية التي تختلط فيها الأسطورة بالخيال الخلّاق، وتحمل رموزًا فريدة، تتّصل بخيط جامع يتمثّل أساسًا بالمرأة ودورها في كلّ السياقات: المرأة الأم، المرأة الحوّاء، الصديقة الوفيّة. فالمرأة في رواية رشيد الضعيف قويّة وإن بدت هشّة، حكيمة وإن تظاهرت بالجهل، محبّة وإن تغاضت. هي العطر وشجرة اللبان، هي النار وحامية البيت، وهي أخيرًا المكان والبوصلة. ولعلّ هذه الفكرة الأخيرة تذكّرنا بالروائي اللبناني جبور الدويهي، ابن البلدة نفسها لرشيد الضعيف، إذ كان الدويهي يهتمّ بفكرة المرأة القويّة التي تنهض بالعائلة والمجتمع، حتى لو اضطرّها الأمر إلى الهجرة في سبيل العمل.
ممّا لا شكّ فيه أنّ الأساطير تستمرّ في التأثير في الثقافة، سواء في الأدب أو السينما أو الفنون، على الرغم من التغييرات الكبيرة التي شهدها العالم ويشهدها. فالأسطورة تساعد على فهم ثقافات الشعوب، بما تشكّله من جسر تواصل، كما تساعد على فهم العوامل التي تحيط بالطبيعة والحياة والموت. وفي الواقع، يدرك كاتبنا بحبكته الروائية الفريدة أهمية الأسطورة ورموزها. ويتجلى ذلك بدءًا من فكرة رواية “ندم إبليس” التي تطرح الحياة بما تحمله من مشاعر وأساليب عيش وتفاصيل، بين حياة الإنس وحياة الجنّ، وتغذّي مخيّلة القارئ بالفانتازيا، وما قد تحويه أدوار شخصيات الرواية من إسقاطات على الواقع اللبناني، بل والإنساني بشكل عام.
“إن “ندم إبليس” رواية لا تُقرأ بوصفها حكاية، بل بوصفها مساءلة للإنسان في زمنه”
يقول رشيد الضعيف في الصفحة 27: “لم يعد يعلم بالعهد الذي قطعه إبليس على نفسه لآدم إلاّ نفرٌ قليل من البشر، ومن علم به وأعمل العمل بعلمه، لأنّ الزمن تقادم، والأيام حلّت محلّ الأيام، والذاكرة أوهنتها المحن وعلَتها الندوب، ولأنّ السعي فوق قشرة الأرض والنوم على فراش دافئ لا يتركان للآدميين أن يهتمّوا بأمور أخرى”. إنّه واقع كثيف المعنى، يضعه الكاتب ليواجه فيه الإنسان، بل يحفر في العمق ليرفعه أمام مرأى الإنسانية التي ترزح تحت وطأة الأمور الدنيوية، وبالتالي الإنسان الساعي إلى قشور هذه الأرض، حتى نكاد نظنّه ما زال نائمًا في ذلك الكهف منذ آلاف السنين.
فالرواية، التي تحكي قصّة رجل وامرأة متحابّين، يتعمّد الكاتب عدم تسميتهما، ليحيل إلى أيّ رجل أو أيّة امرأة. ثمّ يتزوّجان ويستسلمان للزمن للوصول إلى هدف الإنجاب. “لكنّ الرغبة المتكرّرة لدى الزوجة في البكاء تعيقها عن الفعل” (ص: 15). ثمّ تلجأ إلى الساحر الحكيم، ويلي ذلك استئناسها بالجنّ الصالح، فتحبل الزوجة وتنجب رَماعيل، وهو الاسم الذي كُتب على جبين الطفل فور ولادته بحرف لم يُستنبَط إلاّ للأم.
منذ البداية، يُولي الكاتب أهمية قصوى للأسماء، فإمّا يلقي الضوء على كيفية اختيارها من جهة، أو يتقصّد عدم تسمية بعض شخصيات الرواية من ناحية أخرى، كسيدة السياج، وصديقة رَماعيل، وطفلة الصرّة، إلى أن يكتشف القارئ في سياق الرواية أنّ “الجنّ تحبّ أسماء الإنسيّين، وعندما يُخطَف الاسم ويُستولى عليه، يختفي الاسم من جميع الأذهان” (ص: 144). فالاسم هو جوهر الهوية والشخصية من منظور علم النفس، ويساعد على بناء العلاقات الاجتماعية ويحدّد الانتماء من منظور علم الاجتماع، وفي الميثولوجيا تعكس الأسماء صفات الخير والشرّ والبطولة والألوهة. ولعمري، إنّ هذا الرمز يذكّرنا بأغنية فيروز الشهيرة “أسامينا شو عملوا أهالينا”، لأنّ الاسم ليس مجرّد علامة تعريف، بل هو الهوية والذاكرة. لذلك، لم تكن دلالة الاسم أو غيابه عبثًا، بل دعوة إلى التركيز على الجوهر.
إذًا، ما إن علم الجنّ بولادة رَماعيل حتى دبّت فيهم الحماسة، إلى حدّ التنافس على تعيين رائيًا له. ولأسباب نراها في سياق الرواية، ينتظر الجنّ الرائي ما بعد رَماعيل سنوات، حتى الحَبل الثاني للأم. وهنا يستعمل الكاتب تركيبة غريبة ومدهشة ليتحقّق هذا الأمر في ولادة طفلة يُختلَف على اسمها، في إشارة أخرى إلى رمز الاسم في سياق الرواية. فيستغلّ الجنّ الموضوع ليتدخّلوا في حياة الإنس. ونتيجة هذا الخلاف، يهرب رَماعيل من البيت الوالدي، فيأخذ الجنّ الرائي شكل الولد ليعيش مع الإنس.
تتوالى الأحداث في “ندم إبليس” من عقدة لتتفرّع خيوطًا معقّدة بدورها، ولا سيّما في رحلة عودة رَماعيل إلى بيت أهله، وما تخلّل هذه الرحلة من صعوبات جمّة أعاقت الفتى وأدخلته مع صديقته في دوّامة من التحدّيات، ما يفرض على القارئ حبس أنفاسه لاكتشاف حلولها في الأحداث المتتالية.
في “ندم إبليس”، يدخل رشيد الضعيف في عمق حياة الإنسان، ويكتب بأسلوب خفّة الجنّ، فتنساق الأحداث عبر أدوات كتابية تضفي جمالًا ودهشة في الوصف، تزاوج فيها التشويق والوضوح. كأن يقول الكاتب في الصفحة 87: “يجهل رَماعيل كيف أخطأ الدرب، وكيف صار فجأة في هذا الوادي الصعب الملتهب. والغريب، الغريب أنّهما انتظرا الليل ليلطف الهواء وتحلو النسمة، لكنّ الليل لم يحلّ، والنسمة لم تحلّ، والنهار استمرّ نهارًا بلا انقطاع ولم يَلِه ليل، والشمس في كبد السماء تتنقّل طوال الوقت في مسافة قصيرة ذهابًا وإيابًا في وسط المدار ما بين مطلعها ومغيبها”. في هذا الوصف البديع للطقس، يُسقِط الكاتب حالة التأرجح الحتمي في الوضع النفسي، والضياع العجيب للفتى وصديقته في الرواية.
إنّ طريق الهروب أو الضلال أسهل بكثير من طريق العودة والندم والمغفرة، يقول الكاتب في الصفحة 87: “إنّه لم يتوقّع أن تكون العودة جحيمًا كهذا، لأنّ طريقه عندما هجر أهله كانت سهلة ومنسابة بلا عائق ولا عثرة”. وهذا ما يذكّرنا بقصص دينية قرأناها، وهنا تتجلّى مقدرة الكاتب على تمرير الرسائل الإنسانية بشكل بعيد عن الوعظ والمباشرة، ومن ضمنها ما تحمله الرواية من حكم مستمدّة من الثقافة العامة لدى الشعوب، كقوله في الصفحة 125: “طريق الذهاب هي ذاتها، ولكنّ معالمها اختلفت كليًّا للعائد فقط”.
هل للأسطورة مكان في عصر الذكاء الاصطناعي؟ إن الرواية، بين الأمس واليوم، تفتح أفقًا لرؤية العالم على نحو مختلف، مثلما تفعل الأسطورة، فهي تساعد العالم على الانتقال من مرحلة إلى أخرى، سواء كانت أكثر تطوّرًا أو أقل. غير أنّ الروائيين المبدعين، وكذلك الفنّانين والموسيقيين، يستطيعون كشف الحقائق وإرشاد القرّاء إلى النظر في العمق والمعنى والرمز؛ هناك تكمن المعرفة الأسطورية لعالمنا الضائع. وهو ما يجعل “ندم إبليس” رواية لا تُقرأ بوصفها حكاية، بل بوصفها مساءلة للإنسان في زمنه.
