تاريخُ لبنانَ جملةٌ من المصادفات الجيوسياسية المخططة، ومتاهةٌ صُممت خيوطُها بدقةٍ منذ بدايات القرن الماضي. فإلى أيِّ مدىً ينجحُ “القناعُ القانونيُّ” في تشريع الانبطاحِ الذي عجزت عن فرضِه آلةُ الحرب؟ وهل استبدلت المتاهةُ الصهيونيةُ رهانَها من العبثِ الميدانيِّ إلى الاستثمارِ في “الهندسةِ الدبلوماسيةِ” العابرةِ للسيادة؟
يقتضي تفكيكُ واقعنا الراهن استحضارَ التاريخ لاستنطاق الحاضر. فبعد استعراض أدوات الصدام الداخلي المتمثلة في سمير جعجع، وتفكيك خيوط “الهندسة البريطانية” لإدارة الفوضى، تبرزُ المحطة الرابعة والأكثر دقة: نواف سلام. الشخصيةُ القادمةُ من المحافل الدولية بـ “قفازاتٍ بيضاء”، لتعيد إنتاج نهج “الجد” سليم سلام؛ الذي وثّق “رؤوفين أرليخ” في كتابه “المتاهة اللبنانية” دورَه ضمن “النخبة البراغماتية” التي عوّل عليها الصهاينةُ لتطويع الموقف اللبناني وتجريده من عناصر قوته السيادية.
لم يكن وصولُ سلام إلى السراي وليدَ لحظةٍ عفوية، بل نتيجة هندسةٍ دقيقة بدأت بـ “تصحير” الساحة السنية عبر قرارٍ سعودي حازم أقصى آل الحريري، وترك الساحةَ مشرعةً أمام طموحاتٍ متضاربة. وبينما كان أشرف ريفي يراهن على زعامةٍ صدامية، وفؤاد المخزومي يلهث خلف الكرسي بأي ثمن، سُحب نواف سلام كخيارٍ “فوق الصراعات” ليؤدي دوراً وظيفياً يتجاوز طموحات الزعامة المحلية. فهو اللبناني الهوية، “الإبراهيمي” الهوى، الذي أُسندت إليه مهمة تسييل نتائج العدوان سياسياً، وإنجاز ما عجزت عنه آلة الحرب الإسرائيلية طيلة ستة وستين يوماً من المواجهة الميدانية.
تكتملُ فصولُ الاستهدافِ عبرَ ما يُعرفُ في العلومِ السياسيةِ بـ “الارتهانِ الوظيفيِّ”؛ وهي استراتيجيةٌ تهدفُ إلى تحويلِ مؤسساتِ الدولةِ الرسميةِ إلى أدواتٍ إجرائيةٍ لتنفيذِ إرادةٍ خارجيةٍ تحتَ مسمى “الحوكمةِ الدوليةِ”. يجسدُ نواف سلام هذا المسارَ بامتيازٍ؛ إذ يطرحُ نموذجَ “السيادةِ القانونيةِ الجوفاء” كبديلٍ عن السيادةِ الفعليةِ النابعةِ من الميدانِ. ويبرزُ سلام هنا بصفته اللبنانيَّ الهوية، “الإبراهيميَّ” الهوى؛ حيثُ يتماهى دورُه الوظيفيُّ مع غاياتِ المنظومةِ الإقليميةِ الجديدةِ الساعيةِ لتصفيةِ الصراعِ الوجوديِّ وتحويلِه إلى ترتيباتٍ تقنيةٍ تضمنُ الأمنَ الاستراتيجيَّ للكيانِ الصهيونيِّ.
لم يتركُ سلام فرصةً إلا وانتهزَها ليناديَ باحتكارِ قرارِ “حصريةِ السلاحِ”، مجاهراً بتجريدِ لبنانَ من نقاطِ قوتِه التي جعلتْ منه لاعباً أساسياً في غربِ آسيا، ومحولاً إيَّاهُ من قلعةٍ صامدةٍ إلى بيدقٍ خاسرٍ على رقعةِ شطرنجِ المشروعِ الإبراهيميِّ. إنَّ هذا السلوكُ يمثلُ تسييلاً لنتائجِ العدوانِ الذي عجزَ عن تحقيقِ أهدافِه طيلةَ ستةٍ وستين يوماً؛ حيثُ يوظفُ سلام رصيدَه القانونيَّ لتغليفِ التنازلاتِ الجوهريةِ بلفافةِ “المشروعيةِ”، ممهداً الطريقَ لدمجِ لبنانَ في نظامٍ إقليميٍّ تُنزعُ فيه أنيابُه تحتَ مسمياتِ “السلامِ الاقتصاديِّ”. تمثلُ هذه المحطةُ الفصلَ الأخيرَ في “المتاهةِ” التي أرّخَ لها أرليخ؛ حيثُ يتحولُ الوطنُ من كيانٍ مقاومٍ إلى مجردِ وظيفةٍ أمنيةٍ مُلحقةٍ بالمنظومةِ الغربيةِ.
تتجاوزُ حدودُ المتاهةِ ضفافَ الليطاني؛ إذ تكشفُ خرائطُ أرليخ استراتيجيةً صهيونيةً ثابتةً تهدفُ إلى دفعِ الحزامِ الأمنيِّ نحو نهرِ الأولي، بغيةَ تجريدِ العمقِ اللبنانيِّ من أيِّ قدرةٍ على الفعلِ الدفاعيِّ. يبرزُ سلوكُ نواف سلام السياسيُّ اليومَ كعمليةِ “انقلابٍ مكتملةِ الأركانِ” على البيانِ الوزاريِّ الذي نالَ بموجبِه ثقةَ القوى الوطنيةِ والمقاومةِ؛ فبينما نصَّ البيانُ على التزامِ الدولةِ بالدفاعِ عن حدودِها وردعِ المعتدي، ذهبَ سلام نحو تسييلِ عناصرِ القوةِ اللبنانيةِ لحسابِ منظومةِ الرقابةِ الدوليةِ. إنَّ إصرارَه على توسيعِ نطاقِ المنطقةِ المنزوعةِ السلاحِ يرمي لإنشاءِ عزلٍ استراتيجيٍّ يصلُ إلى مداخلِ صيدا، محققاً أحلامَ الحركةِ الصهيونيةِ التاريخيةِ في تأمينِ حدودِها بلا أثمانٍ عسكريةٍ.
يمثلُ القبولُ بتبديدِ المكتسباتِ الميدانيةِ، تحتَ ستارِ “حصريةِ السلاحِ” التي جاهرَ بها سلام، طعنةً في جوهرِ الوفاقِ الوطنيِّ وتحويلاً للدولةِ من حاميةٍ للسيادةِ إلى حارسةٍ لأمنِ الاحتلالِ. نحنُ أمامَ محاولةٍ لفرضِ الاستسلامِ المقننِ؛ حيثُ استبدلَ “القاضي” لغةَ الردعِ التي كفلَها الدستورُ والبيانُ الوزاريُّ بلغةِ الإذعانِ للمواثيقِ الدوليةِ الجائرةِ. والتحذيرُ الراهنُ يمسُّ جوهرَ البقاءِ؛ فإما وطنٌ يصونُ أنيابَه ويحمي جغرافياتِه من الليطاني إلى الأولي كما فعلت المقاومةُ طيلةَ ستةٍ وستين يوماً، وإما ارتهانٌ وظيفيٌّ يحولُ لبنانَ إلى كانتونٍ إبراهيميٍّ منزوعِ الكرامةِ، يُدارُ بتوقيعاتٍ منبثقةٍ من رحمِ “الخديعةِ السياسيةِ” الكبرى.