Published On 2/1/20262/1/2026

|

آخر تحديث: 15:56 (توقيت مكة)آخر تحديث: 15:56 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

share2

لم تعد أفلام الرسوم المتحركة حكرا على الطفولة المبكرة، ولا مجرد مساحة للهروب من الواقع، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى مساحة سردية عميقة تخاطب المراهقين بلغتهم القلقة وأسئلتهم المفتوحة عن الذات، والانتماء، والخوف، والحلم.

في هذه المرحلة العمرية الحساسة، يصبح الفيلم الجيد أكثر من تسلية، إذ يتحول إلى مرآة ناعمة تعكس الصراع الداخلي دون وعظ، وتمنح المتلقي فرصة للفهم لا للحكم.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

تسعى هذه القائمة إلى تسليط الضوء على أفلام رسوم متحركة احترمت وعي المراهق، وقدمت له حكايات إنسانية متوازنة، تجمع بين المغامرة والتأمل، وبين الخيال والواقع، دون اللجوء إلى المبالغة أو الإثارة الفارغة. أفلام تطرح الأسئلة عوضا عن فرض الإجابات، وتراهن على الذكاء العاطفي لا المؤثرات البصرية.

قلبا وقالبا 2.. الذكاء العاطفي دون وعظ مباشر

عاد فيلم “قلبا وقالبا” إلى الشاشة الكبيرة في 2024، لاستكمال الرحلة داخل عقل بطلته “رايلي”، لكن هذه المرة في مرحلة المراهقة الأكثر تعقيدا وحساسية. وبعد أن اعتدنا في الجزء الأول على مشاعر الفرح، والحزن، والغضب، والخوف، والاشمئزاز، يطل علينا الجزء الجديد بمشاعر أخرى أبرزها القلق، والغيرة، والإحراج، والملل.

تدور الحبكة حول محاولة رايلي التكيف مع ذاتها الجديدة وسط تغيرات جسدية ونفسية واجتماعية، بينما تشتبك المشاعر القديمة في مواجهة مع الوافدين الجدد، في معركة غير مرئية لكنها شديدة الواقعية. الفيلم لا يقدم المراهقة بوصفها أزمة عابرة، بل مرحلة إعادة تشكيل للهوية، حيث لا يعود الفرح قائدا مطلقا، ولا الحزن عدوا يجب إقصاؤه.

يحسب للعمل استعراض المشاعر الجديدة بوصفها مشاعر طبيعية، لا عيوبا يجب إخفاؤها، وهو ما منح المراهقين شعورا بالاعتراف والفهم وكشف هشاشتهم الداخلية بدلا من السخرية منها. كما أتاح لهم التماهي مع البطلة والتعلم من التجربة، لا النصيحة، ليصبح العمل نقطة انطلاق لنقاشات صحية بين المراهقين وأولياء أمورهم.

الباندا الأحمر الكبير وأزمة التوقعات المسبقة

طرح فيلم “الباندا الأحمر الكبير” في 2022، ودارت أحداثه حول “مياو لي”، الفتاة المراهقة ذات الأصول الصينية-الكندية التي تنقلب حياتها رأسا على عقب فجأة، حين تكتشف أنها تتحول إلى باندا عملاقة كلما شعرت بالتوتر أو كتمت مشاعرها.

ورغم غرابة الفكرة، وربما تطرفها، لكنها تستند إلى تحدٍّ حقيقي يواجهه الكثير من المراهقين، حيث محاولات التوازن المستميتة بين رغبتهم بالاستقلال والتحرر من القيود وبين المسؤوليات والتوقعات المسبقة التي تحيط بهم، خاصة عندما تنتهج العائلة قواعد صارمة أو تصر على عادات وتقاليد موروثة.

وقد نجح الفيلم بالمزج بين الدراما والكوميديا الخفيفة، رغم جدية موضوعه التي سلطت الضوء على كيفية تعامل المراهق مع الضغوط العائلية من جهة، ومن جهة أخرى قدمت نزاع المراهق مع التغيرات الجسدية والعاطفية التي يمر بها، وهو ما قُدم بأسلوب بصري مشوق وجذاب.

“إنكانتو” ومفهوم القوة الاستثنائية

دارت أحداث فيلم “إنكانتو” داخل قرية سحرية معزولة في جبال كولومبيا، حيث تعيش عائلة يتمتع جميع أفرادها بقدرات خارقة، لكل منهم موهبة استثنائية مثل: القوة، الشفاء، التحكم في الطبيعة، أو الرؤية المستقبلية، باستثناء “ميرابل”، الفتاة الوحيدة التي لم تحصل على أي موهبة.

وسط هذا العالم الملون والمبهج ذي الأصداء الموسيقية البديعة، تكتشف ميرابل أن السحر الذي يحمي العائلة والقرية بدأ في التصدع. ومع تجاهل الآخرين مخاوفها، تجد نفسها مضطرة لمواجهة حقيقة أن الخلل لا يكمن في غياب الموهبة، بل في الضغوط النفسية الناتجة عن السعي للكمال والحفاظ على الصورة المثالية.

ومع أن ميرابل ليست بطلة خارقة، بل مراهقة بامتياز، فهي مترددة، حساسة، تشعر بأنها غير مرئية، لا أنها في النهاية تنجح بإنقاذ الجميع حين تكتشف أن قيمتها الحقيقية في فهمها للآخرين وقدرتها على الإصلاح، لا في امتلاك قوة استثنائية.

بوستر فيلم Encantoبوستر فيلم (Encanto) (مواقع التواصل)

جدير بالذكر أن جميع الأفلام السابقة تصلح للمشاهدة من سن 10 سنوات وحتى 17 عاما، ورغم أن البطلات الرئيسيات فتيات، فإن الأعمال مناسبة للجنسين، إذ لم تعتمد قوالب نمطية جندرية، بل ركزت على النمو النفسي، وصراعات الهوية، وعلاقة المراهق بالعائلة، والتقبل الذاتي.

إليو.. عن الوحدة واللا انتماء وأشياء أخرى

من المشكلات النفسية الأخرى التي يواجهها المراهقون، إحساسهم بالوحدة، والخوف من الرفض، والرغبة في أن يكون لهم صوت مسموع. وقد عالج فيلم “إليو” هذه القضايا عبر استعارة ذكية، وحكاية طفل بالحادية عشرة من عمره يشعر بأنه غير مرئي داخل عالمه الصغير وغير منتمٍ إلى محيطه الاجتماعي، الأمر الذي يدفعه للهروب عبر السفر إلى الفضاء، وهو ما يبدو مستحيلا لكنه يتحقق في إطار فانتازي.

وحين يجد البطل نفسه بين مخلوقات غريبة يضطر لمواجهة مخاوفه والدفاع عن ذاته، ومن ثم اكتشاف صوته الداخلي والتصالح مع فكرة أن يكون مختلفا بوصفها قوة لا ضعفا.

الفيلم مناسب للأطفال بداية من عمر 9 سنوات، ما يجعله موجها للمراهقين في بدايات تشكل وعيهم الذاتي، وقد تميز العمل بتقديم شخصيات داعمة متنوعة، ونماذج علاقات غير نمطية ليصبح قريبا من وجدان الصبية والفتيات على حد سواء.

كوكو.. رحلة إنسانية ثرية لمحبي الموسيقى

للفئة العمرية نفسها، نرشح فيلم “كوكو” الذي يحكي عن الطفل المكسيكي “ميغيل” الذي يحلم أن يكون موسيقيا، إلا أن عائلته ترفض بسبب إرث عائلي قديم. وفي محاولة لإثبات ذاته والسعي خلف شغفه، ينتقل “ميغيل” إلى عالم الموتى خلال أحد الاحتفالات، ومن ثم يبدأ رحلة غير متوقعة لاكتشاف جذوره الحقيقية ومعرفة سر معاداة أسرته للموسيقى.

رحلة ميغيل في العالم الآخر ليست مغامرة بصرية فقط، بل بحثا مؤلما وجميلا عن الأنا، والذاكرة، ومعنى الانتماء. ومع كل خطوة، يكتشف البطل أن الحقيقة ليست دائما كما تروى، وأن الحب العائلي قد يختبئ أحيانا خلف الصمت والخوف، والأهم أن الحلم لا يعني التمرد الأعمى، بل الفهم والتوازن بين الذات والجذور.

وقد اختار صانعو “كوكو” مخاطبة المراهقين بذكاء، عبر وضعهم وجها لوجه أمام أسئلة تشبه استفساراتهم اليومية، وتجربة تعزز قيمة الذاكرة والروابط الإنسانية، في حين رسّخ الفيلم كيف يمكن للماضي أن يشكل جزءا لا يتجزأ من الحاضر.

ورغم ذلك، كان أهم ما ميّز العمل قدرته على تقديم مفهوم الموت بطريقة هادئة، غير مخيفة، تساعد المراهقين على التعامل مع الفقد وتقبل فكرة الغياب دون التعرض إلى الصدمات.