تلبيةً للضغوط الدولية، وبتشجيع أميركي وأوروبي، سرّعت الحكومة اللبنانية إقرار مشروع قانون الانتظام المالي أو ما يسمى «الفجوة المالية»، التي قُدرت بأكثر من 83 مليار دولار. وفي ظل انقسام حاد بين الوزراء، انتهى بالتصويت، حيث نال موافقة أكثرية 13وزيراً، ومعارضة 9 وزراء، وهي أكثرية ضئيلة لا تعكس أهميةَ مخاطر تطبيقه التي ستلحق المزيد من الخسائر بالمودعين، وتهدد بإفلاس عدد من المصارف التجارية، مقابل «تبرئة الدولة»، بعدم إلزامها بدفع الديون المتوجبة عليها، وتحويلها إلى خسائر لمصرف لبنان المركزي، مع العلم بأنه بموجب المادة 113 من قانون النقد والتسليف، تعد الدولة ملزمةً بتغطية خسائر «المركزي» وبإعادة رسملته.

ولذلك، لوحظ أن فرنسا، وهي تهتم بالملف اللبناني، سارعت بنفس اليوم الذي أقر فيه مشروع القانون إلى الترحيب به في بيان رسمي صدر عن وزارة الخارجية، ورأت فيه أنه «يشكّل خطوةً أولى أساسية على طريق استعادة الثقة بالنظام المصرفي»، وأكد البيانُ الدعمَ الفرنسي للمؤسسات اللبنانية، للمضي قدماً بعزم ومسؤولية نحو الإقرار النهائي من قبل مجلس النواب، بما يتيح التوصلَ إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي. أما تلبية التشجيع الأميركي فجاءت من خلال موافقة لبنان على شرط الصندوق بـ«تصفير» ديون الدولة، وذلك عندما أعلن رئيس الحكومة نواف سلام بأن «هذا المشروع قائم على المبادئ الأساسية التي سيعتمدها الصندوق». وفي معرض تفاؤله، وصفه بأنه «ليس مثالياً، ويتضمن نواقص»، مضيفاً: «لقد أدخلنا عليه تعديلات مهمة، وهو قد لا يحقق تطلعات الجميع، وهذا أمر طبيعي، لكن الأهم أنه خطوة واقعية ومنصفة على طريق استعادة الحقوق، ووقف الانهيار الذي يعاني منه البلد، وإعادة العافية إلى القطاع المصرفي».

وخلافاً لذلك، أبدت جمعية المصارف اعتراضها على المشروع، «لما ينطوي عليه من أحكام وإجراءات تشكل مساساً غير مبرر، وغير مقبول، بحقوق المصارف والمودعين، وتفتقر إلى المعايير القانونية والمالية العلمية».

ورأت الجمعية أن التدابير والحلول المقترحة «لا تراعي القدرات الفعلية للمصارف على الوفاء بالتزاماتها تجاه المودعين، في ظل تهرب الدولة من الوفاء بديونها المستحقة عليها، كما لا تأخذ بالاعتبار موجودات مصرف لبنان التي تتجاوز السبعين مليار دولار، وضرورة تسييل جزء قليل منها، لدفع كامل ودائع صغار المودعين، عوض تحميلهم الخسائر، خلافاً لمبادئ العدالة والمسؤولية القانونية». وتقدر قيمة المرحلة الأولى، ومدتها أربع سنوات لاسترداد الودائع التي لا تتجاوز المئة ألف دولار، بنحو 20 مليار دولار، وتقضي بتحميل المصارف 8 مليارات دولار، بينما المبلغ الأقصى للسيولة لديها لا يزيد على 3 مليارات دولار. أما مصرف لبنان فيتوجب عليه دفع نحو 12 مليار دولار بينما سيولته لا تزيد عن 4 مليارات دولار، والباقي لديه نحو 8 مليارات تتكون من الاحتياطي الإلزامي، وهي أموال المصارف والمودعين.

ولذلك تتجه الأنظار نحو ما يملكه المركزي من الذهب والبالغة قيمته 42 مليار دولار.

وعلى الرغم من تأكيد الرئيس سلام عدم المس به، فإن الخبراء يشيرن إلى أن المشروع ينص على الإفادة من عائدات كافة الأصول التي يملكها المصرف، والذهب يعتبر أهم هذه الأصول. لذلك يطالب فريق كبير من النواب بتعديل هذا النص، لدى مناقشته في البرلمان، لجهة استثنائه من الأصول، بشكل واضح وبنص مكتوب، ليكون فقط ضمانةً معنوية من دون التصرف بها. ولعل أهم وصف أطلقه المعارضون أن مشروع «الفجوة المالية» لم يبن بعقلية المستثمر بل بعقلية القطاع العام، التي أدت إلى الانهيار المالي منذ عام 2019، وهي مستمرة، وربما يزيدها هذا المشروع تعقيداً، بشكل يبعد المستثمرين على الاستثمار في مصارف عاجزة عن دفع حقوق المودعين.

*كاتب لبناني متخصص في الشؤون الاقتصادية