في ظل تسارع التحول الرقمي وتغير أنماط العمل، تبرز منصة «جاهز» التي أطلقت في نوفمبر 2022 كأحد أكثر المشاريع الحكومية الرائدة دلالةً على الانتقال من منطق التدريب التقليدي إلى منطق بناء الجاهزية المؤسسية. فالمنصة لا تنطلق من فكرة سد فجوة مهارية آنية، بل من رؤية استراتيجية ترى أن رأس المال البشري هو العامل الحاسم في قدرة الحكومات على الاستجابة للتغيرات العالمية وصياغة سياسات فعالة في بيئة معقدة ومتقلبة. 
وتعكس «جاهز» تحولاً بنيوياً في فلسفة التدريب الحكومي، إذ جمعت جهود التأهيل المتفرقة ضمن منصة رقمية موحدة تقدم محتوى معرفياً ومهارياً يتجاوز النماذج التقليدية القائمة على الدورات القصيرة أو التدريب النظري. فالمنصة تركز على مهارات ذات قيمة استراتيجية عالية، تشمل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والتحول الرقمي، واقتصاد المستقبل، وهي مجالات باتت تشكل البنية التحتية غير المرئية لصنع القرار الحكومي الفعال.
وأحد أهم أبعاد «جاهز» يتمثل في ربط التعلم بالأداء المؤسسي من خلال محفظة المهارات المستقبلية الرقمية، التي تتيح توثيق المهارات المكتسبة وربطها بنظام إدارة الأداء الحكومي. هذا الربط يحوّل التعلم من نشاط جانبي إلى عنصر مؤثر في المسار الوظيفي، ويعيد تعريف العلاقة بين التدريب والترقية والكفاءة. وبهذا المعنى، تنتقل الحكومة من الاستثمار في التدريب بوصفه تكلفة تشغيلية، إلى اعتباره استثماراً مباشراً في تحسين الإنتاجية وجودة الخدمات العامة.
كما تكشف المنصة عن توجه واضح نحو توحيد المعايير المهارية داخل المنظومة الحكومية، من خلال إتاحتها للجهات الاتحادية والمحلية على حد سواء. ولا يعكس هذا الاتساع فقط شمولية مؤسسية، بل يسهم في تقليص الفجوات المعرفية بين الجهات، وبناء لغة مشتركة في فهم التحول الرقمي وإدارته. وفي بيئة حكومية متعددة المستويات، يمثل هذا التجانس عاملاً حاسماً في تعزيز التنسيق ورفع الجاهزية الوطنية الشاملة.
ولا شك في أن تطور «جاهز» في نسختها الثانية عبر دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي يشير إلى انتقال المنصة من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التخصيص الذكي. فإتاحة مسارات تعليمية مرنة، وتعدد أنماط التعلم، يعكسان فهماً عملياً لتغير سلوك المتعلم الحكومي، ولمحدودية النماذج الموحدة في بيئات العمل المعاصرة. كما يعزز هذا التوجه قدرةَ المنصة على الاستجابة السريعة للتغيرات التقنية المتلاحقة، بدلاً من الاكتفاء بمحتوى ثابت سرعان ما يفقد صلاحيته.
أحد أبرز مؤشرات تأثير منصة «جاهز» على الأداء الحكومي يتمثل في حجم المشاركة والتفاعل داخل المنصة وما ترتّب عليه من اكتساب مهارات فعلية ترتبط مباشرةً بتحسين الأداء. فمنذ إطلاقها، أسهمت «جاهز» في صقل مهارات أكثر 64 ألف متعلم عبر 86 برنامجاً تدريبياً. هذه الأرقام ليست مجرد بيانات كمية، بل مؤشر على تحول ثقافة العمل الحكومي من الاعتماد على الكفاءات التقليدية إلى بناء قدرات قابلة للقياس، مما يعزز الإنتاجية، ويرفع جودة الخدمات المقدمة.
وفي الواقع، فإن أحد جوانب تميز «جاهز» يتمثل في تقاطعها مع الأجندة الوطنية للتميز الحكومي، ودعمها التوجه نحو بناء حكومة استباقية تعتمد على المعرفة والبيانات في اتخاذ القرار. ويتجلى ذلك في البرامج المصاحبة التي تستهدف الموظفين الجدد منذ انضمامهم للعمل الحكومي، بما يختصر زمن التأقلم المؤسسي ويؤسس لمسار مهني قائم على الجاهزية لا الانتظار. 
ويعكس تفاعل أكثر من 2000 مسؤول ومختص حكومي مع «جاهز» إدراكاً مؤسسياً متزايداً بأن فجوة المهارات لم تعد تحدياً مستقبلياً. وفي ظل تقارير دولية تحذر من نقص حاد في المهارات الرقمية وتأثيره على كفاءة الحكومات، تقدم «جاهز» نموذجاً وقائياً لمعالجة المشكلة قبل تحولها إلى عبء هيكلي.تمثل «جاهز» نموذجاً حَوكمياً متقدماً لإدارة رأس المال البشري، يجمع بين الرؤية الاستراتيجية والتقنية الذكية والثقافة المؤسسية الداعمة للتعلم المستمر. وهي بذلك لا تؤهل الموظف الحكومي فقط، بل تعيد تشكيل بنية العمل الحكومي ذاته، بما يعزز موقع دولة الإمارات كمرجع عالمي في بناء حكومات قادرة على صناعة المستقبل والتكيف مع المتغيرات المعقدة والمتسارعة.

* صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.