أمام إحدى منحوتاته يقف الفنان التشكيلي ريمون أبو حيدر متأملاً وجوهاً شوهتها الحداثة، و”وعياً إنسانياً” أصابه الخلل، وانعدام التوازن داخل المنظومة القيمية والأخلاقية، مقدماً نظرة “تشاؤمية” حول مستقبل البشرية في ظل سيادة الآلة، وارتفاع كفاءة الذكاء الاصطناعي على حساب الفرد. ويعتقد أبو حيدر أن “التشويه” الذي أصاب البشرية وصولاً إلى “دهس وتحطيم الوعي”، إنما جاء نتاجاً لتراجع مكانة الفلسفة والتفكير النقدي لمصلحة تكرار أفعال “النسخ واللصق” في كافة المجالات وفي مقدمها الفن. وهو ما عكسه الفنان الشاب في منحوتاته التي صنعها من خلال إعادة تشكيل أغراض وأشياء “كانت ثمينة” قبل أن يتخلى عنها أصحابها لمصلحة “بهجة أخرى” زرعتها سطوة الإعلان على فكر الإنسان المعاصر. من هذا المنطلق، يقدم أبو حيدر رؤية مختلفة للفوضى بوصفها حالة من التمرد على واقع الفراغ، ولسياسة غلبة الشكل على المضمون، وانتشار التسطيح على حساب العمق في التفكير، وتقديم الغموض وتعددية التأويل على البداهة والوضوح في التعبير.

الفلسفة في مواجهة التسطيح

لم تتوقف الفلسفة يوماً عن طرح الأسئلة الراهنية والإشكاليات الوجودية، وهي تعيش في بيئة متغيرة باستمرار بفعل ارتباطها الوثيق بالإنسان والتفكير الحر والعميق و”البارد”. واليوم، تظهر الفلسفة بصورة “المنكسرة” والمحاصرة بالشبهات وعبثية الأفكار والأزمات من كل حدب وصوب. ويجد المشتغلون بالفلسفة أنفسهم في موقع “الدفاع”، وكأنهم “يجبرون البشر” على ما لا يريدون، ذلك أن فعل التفكير مرهق في عصر استسلم فيه بعض البشر لدور المتفرج في مواجهة طفرات الذكاء الاصطناعي، أو اتخذ من العزلة رداء أمام موجات العنف والتطرف المتصاعد.

في قطاع التعليم تعاني الفلسفة من “الصور النمطية” والنظرة التمييزية، حيث تقرنها شريحة واسعة من الناس بالمفاهيم المعقدة، والأفكار المغرقة في التجريد والبعد من أرض الواقع. يقف الطلاب في مواجهة أساتذتهم لسؤالهم: “ما الفائدة من الفلسفة والأفكار المشوشة في وقت أصبح في مستطاع العلم الإجابة عن أي قضية وحل أي مشكلة؟”، و”ما نفع الفلسفة والتعقيدات المذهبية فيما يقدم الذكاء الاصطناعي أبرع المخططات وأدق الإجابات وأكثرها تفصيلاً؟”.

تشكل تلك الأسئلة تحدياً أمام أساتذة الفلسفة في لبنان، وما يزيد الطين بلة، هو تلك المناهج التي تستمر في اعتماد التلقين معياراً لتقييم المتعلمين، وتمنحهم العلامات المرتفعة لمجرد تكرار الحجج التي قام بتحفيظهم إياها معلموهم عن ظهر قلب، عوضاً من تدريبهم على آليات المنطق والتفكير الحر وإطلاق الفطرة الإنسانية القائمة على الفضول والدهشة. وقد فطن العاملون على المناهج التربوية في لبنان، وتكشف أوساطهم أنه “خلال السنوات القليلة الماضية، وضعت اللجان العلمية منهاجاً للفلسفة، إلا أن الصيغة الأولى اصطدمت باحتجاجات واعتراضات بعض الأحزاب الأيديولوجية. وانتقلت الفرق العاملة إلى إعداد النسخة المعدلة من المناهج التي تراعي خصوصيات المجتمع اللبناني، ولكنها تنمي في المقابل الحس النقدي والقدرة على الاختيار ومواكبة إشكاليات العصر”، كاشفة عن “وضع استراتيجية لتطعيم المناهج والبرامج التعليمية بالإشكاليات الفلسفية بدءاً من حلقات التعليم الأولى، من خلال تعليم أسس المعرفة. وهو ما سيشكل فتحاً معرفياً في لبنان، ويجعله في مصاف الدول المتطورة تعليمياً في حال إقرار المنهاج”. حيث تصبو الجهات العلمية في لبنان إلى أن تنتهج البلاد المسار الذي بدأته دول عربية أخرى وتحديداً في الخليج العربي من خلال تعزيز مادة الفلسفة، واستقطاب المفكرين والعلماء لتطوير بيوت الفلسفة والدوريات العلمية، ومؤسسات الدراسات الإنسانية فيها.  

1001443346.png

لم تتوقف الفلسفة يوماً عن طرح الأسئلة الراهنية والإشكاليات الوجودية (اندبندنت عربية)

 

سؤال المستقبل

عبر الأزمنة، سارت الفلسفة جنباً إلى جنب مع هموم الإنسان العاقل وأمنياته، ورحلة البحث عن معنى لحياته، ونمت خارج إطار التعليم الأكاديمي. وتواجه اليوم سؤال الدور والجدوى والمستقبل في مواجهة السيناريوهات المرعبة بسبب الدمار البيئي، وخطر الدمار الشامل بفعل السلاح النووي، وتكبيل فاعلية الفرد وحريته داخل النظام. وفي محاولة للإجابة عن ذلك واستقراء المشهد المقبل، نستعرض مواقف مجموعة من المفكرين اللبنانيين.

يعترض الدكتور عفيف عثمان المتخصص في الفلسفة السياسية والاجتماعية على طرح سؤال “مستقبل الفلسفة” لأنه غير صائب تماماً، و”حري الكلام عن الفلسفة في المستقبل، أو كما طرح الفيلسوف فيورباخ فلسفة المستقبل، الذي رصد فيه التحول وجعل الإنسان محور الكون”، مؤكداً أنه “رغم تعقد المشكلات والتغير في العالم، بقيت الفلسفة حاضرة بأدواتها لتراقب وتفهم الحاضر، وقد شدد الفيلسوف الفرنسي، ميشال فوكو، على ذلك في كتابه ’ما الفلسفة؟‘ ورأى أنها تحافظ على علاقة وثيقة مع ’الآن‘، لأنه خلافاً للمثال الأفلاطوني لخطاب تكون قيمته الحقيقية مطلقة، يرى فوكو أن أي خطاب يعتمد دائماً على ظروف اجتماعية تاريخية معينة. وفي معرض تشديده على راهنية الفلسفة، قال عثمان “مهما كان الخطاب الفلسفي تجريدياً وتقنياً، فإنه، كغيره، يشير دائماً إلى حدث راهن، إلى ’الآن‘ الذي قد يتخذ أشكالاً مختلفة”.

من هذا المنظار، “يجب على الفيلسوف أن يدرك ويقبل ارتباطه بعصر معين، في حاضر فريد”، بحسب عثمان، الذي يرى أنه “بتعبير أدق، تتمثل ممارسة ’التشخيص‘ في فن تحديد وتفسير علامات ثقافة العصر. وبهذا التعريف، يبدو الفيلسوف وكأنه يتقمص دور الطبيب (معالج الأرواح). ولكن إذا كان من الممكن اعتباره طبيباً للثقافة، فإن مهمته ليست ’العلاج‘، أي تهدئة الألم الاجتماعي والتوفيق بين التوترات، بل وظيفته ببساطة هي شرح كيف أن حاضرنا مختلف تماماً عن كل ما هو ليس هو، أي عن ماضينا. لذا، على الخطاب الفلسفي أن يمارس وظيفة نقدية في كل عصر، لأن مشروع الفلسفة هو التوضيح الجذري والكوني بدرجة تؤدي إلى تغيير وجه العالم”.

استئناف الدور التفلسفي

يقرن عثمان بين اتساع دائرة الحريات والفكر ونضوج الفعل الفلسفي، مشدداً على “قدرة المشتغلين بالفلسفة على استئناف دورها دوماً، لا سيما الفلسفة السياسية والاجتماعية، وتحديداً في الزمن الديمقراطي، وتعمق دور الدولة ودخول الدين طرفاً، ما اقتضى توضيح الصلة بينهما، والتشديد على حياد الدولة بإزائه”، مستشهداً بجهود الفيلسوف اللبناني الدكتور ناصيف نصار، “حيث أثبت نصار كيف أن الديمقراطية تسهم في إنتاج سياسة الحقيقة” التي تنتج بدورها وتوضح الحقيقة السياسية وحقيقة الديمقراطية. فهذه الأخيرة بنت الفلسفة، من الناحية النظرية، في تشديدها على الحرية والمساواة والشعب”. كما يضع نصار “للفلسفة أربعة أدوار تؤديها في المجتمع الديمقراطي ضمن السياسة المتعلقة بالحقيقة، دور سياسي، ودور أبستمولوجي، ودور أخلاقي، ودور ميتافيزيقي. الدور السياسي تقوم به بوصفها فلسفة الظاهرة السياسية والديمقراطية تحديداً، والدور الأبستمولوجي تقوم به بوصفها نظرية في المعرفة وأنماط التفكير، والدور الأخلاقي تؤديه بوصفها نظرية عامة في الواجبات والمحظورات، والدور الميتافيزيقي تؤديه بوصفه نظرية أخيرة في الوجود والمعنى”.

ويخلص دكتور عفيف عثمان أنه “في عالم تملؤه الحروب والنزاعات ثمة مهمة أمام المشتغلين بالفلسفة، وهي توطيد الأسس النظرية لـ’العيش معاً‘، لا سيما في ظل التعددية، وعلى الأخص التعددية الثقافية. مما يحتم تركيز المهمة التربوية على هذه المسألة، بوصفها مدخلاً رئيساً للمواطنة، بحسب ما تقول منظمة اليونيسكو”. ويضيف “يعبر هذا عن نفسه في ترقية فهم واحترام الآخرين، كما اعتقاداتهم وقيمهم وثقافاتهم، من منظار اعتبار الاختلاف موارد لبناء ’الخير العام‘ (أو المصلحة العامة)، ويتميز هذا البناء بمسار غير عنفي وتعايش سلمي، وتحقيق مجموعة من الأهداف بدءاً بصون وتعزيز كرامة الإنسان، والاحترام والتفاهم المتبادل، والتقمص العاطفي، أي القدرة على وضع النفس مكان الآخر، والمسؤولية الفردية والجماعية، والمصالحة والعمل على بناء الجسور، وأخيراً تعليم الأخلاق، حيث تستند فلسفة العيش معاً، إلى جملة من المفاهيم والمبادئ، وتستعين بالديمقراطية وقوة العقل النقدي والتعقلية، من أجل ألا تتحول الهوية إلى نزعة هووية، والإسلام إلى نزعة إسلامية، والأيديولوجيا إلى نزعة شمولية. ولا ننسى دور المجال العام الذي شكل محور اهتمام الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس، والحوار وتبادل الأفكار في تقريب الناس من بعضهم بعضاً”.

مقاربة جديدة لفعل التفلسف

يواجه المفكر اليوم واقعاً مأزوماً ومجموعة ظواهر تشكل تحدياً يحث الوعي لكي يعمل على تفكيكها وفهمها فهماً موضوعياً، بحسب الدكتورة نايلة أبي نادر المتخصصة في الفلسفة والفكر العربي الحديث والمعاصر، التي تشدد على “أن العالم المتسارع الخطى في فرض تحدياته على الفكر الفلسفي قد أجبر المنشغل بالفلسفة على التوقف ملياً للبحث عن طرق جديدة من أجل مقاربة الواقع المأزوم وفهم إشكالياته، والعمل على حلها. لأنه لم يعد متاحاً للفيلسوف أن يبقى منغلقاً في عالمه يصارع النظريات، ويصوب على مكامن الضعف فيها”.
تستعرض أبي نادر الدور الواجب على الفلسفة بعد تصاعد وتيرة العنف وانتشار التطرف الذي يولد الإرهاب، “حيث أصبحت مضطرة للبحث عن السبب الذي يدفع الفاعلين الاجتماعيين، أي البشر في مجتمع ما، إلى التطرف ورفض الآخر المختلف، وإدانته، وصولاً إلى هدر دمائه، في عالم من المفترض أن يكون قد اختبر عبثية الحروب، وتشرب على مهل شرعة حقوق الإنسان، وتشبع حتى التخمة من صور الرغبة المثيرة لحب الحياة والدافعة نحو التمتع بمزيد من مغامراتها”. كما “بات ضرورياً أن يبحث المشتغل بالفلسفة عن مكمن العلة المولدة لفقدان التوازن في المواقف، والأفكار، والسؤال عن المبرر الذي يجعل من الاعتدال والتموضع في الوسط موقفاً ضعيفاً؟ ما هو الرابط الأساس الذي يجمع كلاً من التطرف والعنف كزوجين شبه متلاصقين؟ ما الذي يجعل صوت العنف يعلو على همسات الحوار؟ لماذا الخطاب التحريضي له جمهور أوسع وانتشار أسرع من الخطاب الهادئ والرصين الذي يبحث في أسباب الأزمات محاولاً رأب التصدع وتضميد الجراح؟”.

1001443342.png

تعيش الفلسفة في بيئة متغيرة باستمرار بفعل ارتباطها الوثيق بالإنسان والتفكير الحر والعميق و”البارد” (اندبندنت عربية)

 

الفلسفة فعل إنساني مستمر

تحدد نادر أدواراً عدة يمكن أن تلعبها الفلسفة والفيلسوف، في معرض إجابتها عن سؤال “ما الذي يمكن أن تسهم الفلسفة به في سياق الواقع الحالي؟”، حيث يبدأ الفيلسوف البحث في تمادي خطاب الكراهية والنزوع نحو التسلط في علاقات البشر بين بعضهم بعضاً، حتى ولو كانوا من العرق نفسه، والدين نفسه، والمذهب نفسه، معتبرة أن “أكثر الضحايا التي تسقط اليوم من حولنا هي نتيجة ما بات يعرف بحرب الأخوة، وليس بحرب الأعداء. نزعة التملك والرغبة في السيطرة على الأضعف، والتفنن في ابتكار أساليب جديدة للقمع، أمور تفصح عن استباحة أغلى ما في الحياة إرضاء لهذا أو ذاك من الأقوياء أكانوا أفراداً أم أحزاباً أم دولاً”.

وتسلط أبي نادر الضوء على “إمكانية التعاون بين الفلسفة وباقي علوم الإنسان والمجتمع، من خلال العمل على تعزيز ثقافة الحوار والانفتاح على الآخر، وأن تسعى إلى توفير المناخ الملائم لانتشارها، مع الأخذ بالاعتبار ضرورة تجنب الحوار الفلكلوري الذي يسلط الضوء على التلاقي السطحي أمام عدسات آلات التصوير، من دون الغوص بالعمق في الوضع المأزوم الذي يسهم في إبعاد أهل البلد الواحد، أو الدين الواحد، أو التراث الواحد عن بعضهم بعضاً”. أما أبرز مهام الفلسفة، بالتعاون مع علوم الإنسان والمجتمع، فهو “النظر إلى كل إنسان باعتباره مشروع تغيير ما، وعدم حصر الثقافة بالخاصة، وترك المجال العام فريسة للخطاب المتطرف الذي يكتسح بقوة المنابر كما الشاشات”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المصالحة مع النقد

تدافع نايلة أبي نادر عن ضرورة “العمل على مصالحة الوعي العربي مع النقد والمنهج النقدي، والتمرس فيهما”، مطالبة بـ”النظر إلى الذات والتراث والآخر من منظور نقدي يجعل الإنسان أكثر نضجاً ووعياً بمحدوديته، وبتاريخيته، وبنسبية الحقيقة التي يتمسك بها. وهذا الأمر من شأنه أن يردم كثيراً من الحواجز بين الأنا والآخر، بين الهنا والهناك، بين المستقيمين والضالين على اختلاف انتماءاتهم، ويخفف من شدة التوتر المتفشي بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي أخيراً، وأثر مشهدية التعنيف الجسدي والكلامي في الجيل الجديد”. وتلفت أبي نادر إلى أن “هناك حاجة ملحة لنبذ التطرف، وزحزحة الحدود، والثورة ضد العنف في مختلف تجلياته الحاضرة. كذلك، القيام بورشة إنتاج نهج جديد في التربية والتعليم، يرتكز على التفكير المستقل، وثقافة الانفتاح، وقراءة التاريخ بموضوعية، والاعتراف بخطأ الأجداد، مهما كان قاسياً، والاستفادة من خبراتهم”.

وتنادي أبي نادر بالاستفادة من نهج المفكر المغاربي، الفيلسوف محمد أركون، واعتماد منهج النقد بمعنى المراجعة الدقيقة، والكشف عما تم إخفاؤه عمداً أو عن غير قصد، وزحزحة القوالب المعرفية الجامدة، وفتح أفق التساؤل وإعادة النظر في الثوابت المعرفية، مذكرة بإسهامات محمد أركون، عن دائرة “اللامفكر فيه”، ودائرة “المستحيل التفكير فيه”، وعدم الاكتفاء بما يتم تقديمه للعلن. من ناحية أخرى، تتمسك أبي نادر بالمعنى المستجد للنقد، واستخدام كل المكتسبات الحديثة التي تنتجها وتطورها علوم الإنسان والمجتمع واللغة، والاستفادة منها في فهم التاريخ والواقع الحاضر، على حد سواء.

وتخلص أبي نادر إلى الاعتقاد أنه “حان الوقت لكسر النمطية السائدة، والعمل على مد الجسور بين ما ينشر على صعيد الفكر النقدي، وطلاب المعرفة، إلى أي بلد انتموا، أو إلى أي شريحة مهنية انتسبوا، أو مهما كان مستوى تحصيل شهاداتهم. فأمور الفكر تعني الجميع، طالما أنه لدينا وعي يلح علينا بأسئلته لكي نذهب في الاتجاه الأبعد، ونحو المدى الأوسع”، لافتة إلى أن “الإبقاء على حصر إنتاج الفكر النقدي داخل الأروقة الأكاديمية سيسهم في مزيد من التراجع والانهيار من حولنا، ومن ثم ضرورة وضع الفكر في دائرة التداول الأوسع، وبلغة تصل إلى أبعد من النخبويين من خلال تبسيط الأفكار، وجعلها في متناول أكبر شريحة من المجتمع بات أمراً أكثر من ملح في الحالة الراهنة”.

20251208_171355.jpg

يواجه المفكر اليوم واقعاً مأزوماً ومجموعة ظواهر تشكل تحدياً يحث الوعي لكي يعمل على تفكيكها وفهمها فهماً موضوعياً​​​​​​​ (اندبندنت عربية)

 

إنسانية الإنسان

لا يتوقف “تحدي الفلسفة” على محاربة الأفكار المتطرفة، وخطاب الكراهية، وإنما يتجاوزها إلى “تأكيد إنسانية الإنسان”. ويتحدث الباحث المتخصص في فلسفة التأويل خالد كموني عن أن وظيفة الفلسفة الراهنة بفهم المعنى وإعادة تأويل الأحداث والواقع العالمي المضطرب و”المفتوح على حال اللايقين”، بالتالي “تجاوز البحث في الماهيات الثابتة إلى فهم المعنى في هذا العالم المتحول – المتغير باستمرار، وتتشابك الأحداث حيث لا يمكن فهم تعقيداتها إلا داخل سياقاتها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية”. ويلفت كموني إلى أن “جائحة كوروبا شكلت محطة للكشف عن هشاشة الإنسان والنظام العالمي المهيمن، وإظهار حال اللايقين”، وجاءت “طفرة التكنولوجيا عبر الذكاء الاصطناعي” لتكشف حدود الوعي والإمكانات المعرفية، وتحول الإنسان إلى مجرد موجود بين موجودات أخرى تشاركه المعرفة في إطار مركزية متحركة. ناهيك بحالة الحرب الدائمة والمستمرة التي تنبئ بها الأوضاع العالمية. بالتالي، أصبحت وظيفة الفلسفة هي “الكشف عن العلاقات المعقدة بين السلطة والعنف”، وتجاوز الحدود التقليدية إلى معرفة إنسانية شاملة، قادرة على فهم الاقتصاد والرقميات، والعلاقة بين الاجتماعي والسياسي، وفهم اللغة والإعلام والتواصل إلى جانب النقد الفلسفي في بيئة غير ثابتة، وصولاً إلى تأويل الهوية بعيداً من الأطر الأيديولوجية الجامدة، والانتقال نحو التعددية المطروحة وشبكة العلاقات المستجدة التي فرضت نفسها بفعل الثورة الرقمية التي أعادت رسم أفق علاقة الفرد بالآخر بواسطة الآلة.

ويخلص كموني، “لا مكان للانزواء والتنحي جانباً، وإنما لا بد من بدء حقبة المراجعات الكبرى داخل المجتمع الشبكي، وإعادة معاينة المفاهيم القائمة والسرديات الشمولية”، وأن تصبح الفلسفة قادرة على فهم تاريخ الصراعات القائمة، وإعادة تشكيل الإنسان المنتج في معرض علاقته مع التقنية، وأن “تدفع الإنسان ليقول شيئاً في مواجهة هذا المشهد المربك، وأن تبقي الإنسان محور فهم هذا الوجود وعدم السماح بسيطرة المفاهيم اللاإنسانية”.