ما زلت أتابع مذهولًا التغطية الإعلامية الفرنسية والعالمية التي حظيت بها “أسطورة القرن” بريجيت باردو، على حد تعبير الرئيس إيمانويل ماكرون، النجمة، أو الأيقونة، التي رحلت في سن الواحدة والتسعين فجر الأحد في الثامن والعشرين من الشهر الماضي في منزلها الفخم في الحي المخملي “لامادراق” على ضفاف ساحل “سان تروبيه” في جنوب فرنسا، ولم تصنع مجدها منطلقة كعارضة أزياء قبل أن تنفرد بالتمثيل الشبقي أساسًا، والغناء والرقص خلال 21 عامًا فقط، ثم تحولت إلى محاربة أيديولوجية تخدم باسم الحرية المزدوجة المعايير أنصار اليمين واليمين المتطرف والعنصري، الذي ما زال يرى الشر الحضاري في الأجانب السمر البشرة عمومًا، وفي المهاجرين المسلمين بوجه خاص.

نسيت “الحيوانات” الفلسطينية

بريجيت باردو اشتُهرت بآرائها اليمينية سياسيًا رغم أنها تدافع عن الحيوانات

اليسار الوردي والأحمر لم يظهر إعلاميًا بقوة مقارنة باليمين واليمين المتطرف لنعي من رأوا فيها “آكلة رجال ومهووسة جنسيًا”، على حد تعبير الصحافي الراحل برنار بيفو، الذي ردّت عليه بعد السبعين ضاحكة: “ألا تريد أن تجرب؟”. معظم ممثلي الأطياف الأيديولوجية المتضاربة والمتقاتلة داخليًا في الجمعية الوطنية، أجمعوا على أنها رمز فرنسا الحرية، واعترفوا بأنها سيدة عاشت مؤمنة بأفكارها ومشاعرها، التي تركتها تقضي النصف الثاني والأهم من حياتها تدافع عن الحيوانات، وليس عن الآدميين المظلومين، مثل فلسطينيي غزة.
لم تسمع الراحلة، أو تعمدت عدم العلم، بالقادة الإسرائيليين، وعلى رأسهم نتنياهو، ووزير دفاعه السابق، والذين ما زالوا يقتلون الآلاف من “الحيوانات” الفلسطينية (حسب تعبيرهم) ولو في شكل بشر. حبها الجارف والأسطوري للحيوانات تركها تقول بعد أن رزقت بابن وحيد من أحد أزواجها الأربعة: “تمنيت أن ألد كلبًا”. قضت حياتها الثانية منذ 1973 تدافع عن الحيوانات بعد أن كوّنت ثروة هائلة بفضل ظهورها السينمائي الفاتن، وبجسدها العاري في معظم الأوقات، ورقصها وغنائها، منتقمة من ماضي القيود الدينية المسيحية، وهي القيود التي لم تمنعها من مناهضة المهاجرين المسلمين الذين كانوا ضحية عنصريتها، التي أدت إلى إدانتها قضائيًا في التسعينيات: “عليهم الخضوع لتقاليدنا، والكف عن التبول في كنائسنا وتخريب قبور موتانا”. تصريحات لم تثبت صحتها، لكنها أكدت توجهها الأيديولوجي الذي أدى بها إلى القول بصراحة لافتة ومعهودة فيها خلافًا لفنانين ومثقفين منافقين كُثر: “أحب مارين لوبان ــ زعيمة اليمين المتطرف حاليًا ــ الرجل السياسي الوحيد في فرنسا”. (عبرت عن إيمانها بفعاليتها السياسية مستعيرة وصفًا جنسيًا).

“معظم ممثلي الأطياف الأيديولوجية المتضاربة، اعترفوا بأنها سيدة عاشت مؤمنة بأفكارها ومشاعرها، التي تركتها تقضي النصف الثاني والأهم من حياتها تدافع عن الحيوانات، وليس عن الآدميين المظلومين، مثل فلسطينيي غزة”

يجدر الذكر أن الكلام نفسه قيل عن لويزة حنون قبل أن “تدخل الصف” في الجزائر. ستحضر مارين جنازتها في الصفوف الأولى، جنب زوج الراحلة التي لم تحمل في قلبها الرئيس ماكرون على حد تعبيره، والذي راسلته موبخة إياه على عدم التجاوب مع طلبها لحماية الحيوانات، خلافًا لجيسكار ديستان الذي لبّى طلبها عام 1977 بمنع استيراد فرو الفقمات، قبل أن يصبح ساري المفعول على الصعيد الأوروبي.

حرية بوهيمية بعد تربية كاثوليكية
ولدت الراحلة في باريس في الثامن والعشرين من شهر سبتمبر/ أيلول عام 1934، وترعرعت في أسرة بورجوازية كاثوليكية متشددة. كادت والدتها أن تقتل زوجها الأول روجيه فاديم لثنيه عن طلب يد حبيبته بسبب عدم تقبلها وضعه الاجتماعي الهش، قبل أن يصبح صحافيًا في “باري ماتش” وممثلًا شهيرًا. قبلت الزواج منه كأمر واقع بعد محاولة انتحار بالغاز.
الراحلة التي اشتهرت عالميًا أيضًا بين أعوام 1950 و1970، لم تكمل دراستها بعد أن خطفتها الأضواء السينمائية التجارية مبكرًا (في سن الخامسة عشرة) إلى جانب الممثل الكوميدي الكبير الراحل بورفيل. والدها المهندس لوييه (1896 ــ 1975) ووالدتها الخياطة آن ماري موسال (1912 ــ 1978) جسّدا نزعتها المحافظة بتربية بريجيت على الاستقامة الدينية والاجتماعية الصارمة، التي سمحت لهما بضربها على الوجه والجسد بالسوط. قالت: “كنت أحس أنني غير محبوبة، لم يكن يسمح لي بالخروج وحدي من البيت بأمر من والدي اللذين كلفا الخادمة بمراقبتي طوال النهار”. والدها الذي كان يهوى القراءة والكتابة، لم يترك إرثًا ماليًا فقط، إذ احتوت مكتبته كتبًا نازية وعنصرية ــ حسب وصف مجلة ماريان ــ، مثل “كفاحي” لهتلر، وكتب أشهر القادة الهتلريين، كوزير الدفاع غوبلز، وغورينغ، وغوبينو، والعميل في نظر المعادين للنازية دريو لاروشيل، ما يعكس توجهه الأيديولوجي.
بريجيت التي كانت ثورية في شبابها، وأصبحت رجعية بعد الستين، أخفت علاقتها بأنطوان بوسيييه القريب من جبهة التحرير الجزائرية، حسب المجلة الفرنسية، وكانت تؤمن بخطر “إرهابيي” المنظمة العسكرية السرية اليمينية المتطرفة، الذين يرفضون ربط الراحلة بتوجهها الأيديولوجي المذكور، فقط يلحون على موهبتها التمثيلية خلافًا لآخرين يرون أنها استغلت تجاريًا كجسد مبهر وحر ومتمرد جلب لها المال الكثير الذي وظفته لاحقًا لحماية الحيوانات، بعد أن أصبحت لا تطيق نجومية قضت على حياتها الشخصية، أو بعد أن استنفدت كممثلة إغراء شبقي، كما يرى بعض آخر.
لا يمكن الحديث عن نجوميتها التي أصبحت عالمية إلا بالحديث عن ستة أفلام حسب موقع “ألو سينما”، وهي “والله خلق المرأة”، الذي أخرجه روجيه فاديم (1956)، والذي ظهرت فيه بطلة في سن الثانية والعشرين، ولم ينجح الفيلم تجاريًا في فرنسا، عكس ما حدث في أميركا لاحقًا، إلى درجة غطت على نجومية مارلين مونرو، حسب المفتونين بأيقونة وطنهم. الأفلام الأخرى هي “في حال الفاجعة” للمخرج كلود أوتو لارا، ورفقة جان غابان (1958)، و”الحقيقة” لجورج كلوزو (1960)، و”الازدراء” لجان لوك غودار (1963)، كأحد أبرز ممثلي تيار الموجة الجديدة، و”فيفا ماريا” للويه مال (1965)، وأخيرًا “الدب والدمية” لميشيل دوفيل (1970).

ظاهرة سوسيولوجية وسيكولوجية
تُعد باردو، أو “بي بي”، كما يطلق عليها تجار الصورة متعددة الأشكال، نموذجًا في الحياة الحرة، كما قال الرئيس الفرنسي في الشق الثاني من تغريدته، وتكريسًا لظاهرة سوسيولوجية وسيكولوجية وثقافية وأيديولوجية غير مسبوقة، استنادًا إلى زخمها “الفكري” الذي عبّرت عنه جسديًا، وليس عقليًا، كما فعلت سيمون دي بوفوار رفيقة درب جان بول سارتر، وكلود ساروت، وحركات المثلية التي تناهضها النجمة الراحلة. تبادلها النقاش إذاعيًا مع ساروت يؤكد أن الراحلة لم تكن شعلة في الذكاء، ولم تكن غبية في الوقت نفسه ــ في تقديرنا الشخصي ــ، كانت تعرف كيف تتشبث بقناعتها ومواقفها المتناقضة والمثيرة للإعجاب والنفور والحب والحقد، بفضل الجرأة وسرعة البديهة، وربما الوقاحة، كما يرى بعضهم… ردّت ضاحكة في خريف العمر على برنار بيفو: “سؤالك ينم عن بلاهة… ويستحق ردًا ينم عن بلاهة أيضًا”.
سرعة البديهة صفة المرأة الغريزية، كما يردد كثيرون عند الحديث عليها، هي نفسها التي مكنتها من الرد بثقة كاملة في النفس، وبإيمان وجودي وديني، في الوقت نفسه، على أسئلة الصحافي التلفزيوني الشهير جاك شنسيل، الأمر الذي تركها تناهض المثليين والتيارات الأنثوية الداعية إلى حرية تسمح بالتحوّل الجنسي، علمًا أن الإعلام الفرنسي والأوروبي والعالمي أجمع على اعتبارها “أيقونة التعبير عن حرية المرأة”.
ظهرت في 45 فيلمًا باسم شهرتها، كرمز للإغراء الجسدي في معظم الأحيان، وأدت 70 أغنية أشهرها “أحبك وأنا أيضًا لا أحبك” الجنسية النزعة شكلًا ومضمونًا، والتي كتب كلماتها وقام بتلحينها وغنائها معها زوجها سيرج غاسبورغ عام 1967، قبل أن تؤديها عام 1969 الراحلة بيركين، التي تقاسمت حياته هي الأخرى.

مزّقت السياسيين والمثقفين والإعلاميين

عاشت بريجيت باردو 91 عامًا

الإعلام الفرنسي يراها أجمل امرأة في العالم، وأهم من مارلين مونرو. أشاد بها الجنرال ديغول: “أقوى من بعض وزرائي على صعيد الشخصية”. عشقها الرئيس جيسكار ديستان ــ دون أن يتم التأكد من صحة علاقة عاطفية أو جسدية ربطته بهاــ. لم تكن تؤمن أنها جميلة على حد قولها، وأدوارها الشبقية التي أدتها في الأفلام التي جعلت منها أيقونة أسطورية كما يردد الإعلام الفرنسي حتى لحظة كتابة هذه السطور، بعد يومين من وفاتها “ليست سوى تعبير سيكولوجي عن حرمان عاطفي ميز طفولتها في نظر بعض المحللين النفسانيين”. الراحلة أقرت بصراحتها المعهودة وعفويتها الصادقة أنها كانت في حاجة دائمة للحب، الأمر الذي تركها تتعلق برجال اختلفت درجات هيامهم بها هبوطًا وصعودًا، ولم يفرض عليها الالتزام بوعودها حيال هذا الزوج العاشق دون وعي منها، كما رددت ذلك مرارًا “غير نادمة على ما فعلته تجاوبًا مع سعادة ومتعة اللحظة”.

“الإعلام الفرنسي يراها أجمل امرأة في العالم، وأهم من مارلين مونرو. أشاد بها الجنرال ديغول: “أقوى من بعض وزرائي على صعيد الشخصية!””

حادثة اعتداء زوجها جاك شارييه على عشيقها سامي فري في حي “سان جيرمان دي بري” في باريس في مشهد سريالي كان له مصورو الإثارة (بابارازي) بالمرصاد، مثال على حياتها العاطفية المضطربة، ومثال صارخ في درب امرأة أثارت الإعجاب كملاك عاطفي وجنسي في تقدير الوجوديين المؤمنين بالحرية المطلقة، وكعاهرة في شكل شيطان يجب القضاء عليه في نظر مسيحيين محافظين مثلها. برنار بيفو (من جديد) الصحافي الأدبي الشهير واجهها بأسئلة ضمن برنامجه “حساء ثقافي” عام 1996، بأسئلة فكرية وجدلية تركتها مرتبكة، خصوصًا بعد أن طلب منها التعليق عن تناقضها الجوهري والمبدئي بين تجسيدها لتحرر جنسي يعاديه مسيحيو اليمين المتطرف المحافظـ، وبين رفضها حرية آخرين يدافعون عن حق الرجل والمرأة في تحويل طبيعتهم الجنسية والنفسية، كما مر معنا.
سيذكر التاريخ أن الراحلة استطاعت أن تؤثر أيديولوجيًا واجتماعيًا أكثر من النخب السياسية والثقافية والإعلامية، التي ما زالت تتمزق بمقاربات متضاربة جذريًا حيال الملاك والشيطان. ممثلو اليسار البورجوازي الوردي واليسار الراديكالي الأحمر ألحوا على صورة السيدة التي أضرت بقيم الجمهورية عبر صحيفتي “لوموند”، و”ليبيراسيون”، رغم تجسيدها لـ”ماريان”. يمينيو قناة “سي نيوز”، وإذاعة “أوروبا 1″، اللتين تتبعان للملياردير المسيحي فانسان بولوريه، احتفوا بها كأيقونة أسطورية، رافضين منطق التركيز على اعتبار الراحلة مجرد ممثلة للإغراء الجنسي، ودفاعها عن الحيوانات التي طلبت أن تدفن قربهم يوم التاسع من الشهر الجاري في مربع أضرحة عائلتها، دليل على طيبة قلبها في تقديرهم. يجدر الذكر أنها أوصت بدفنها في حديقة بيتها الفخم بحي “لامادراق” بمدينة سان تروبيه، وهي المدينة الجميلة التي احتضنت تصوير فيلم “والله خلق المرأة”.
ودّعّت بريجيت دنيا ملّت منها على حد تعبيرها، ماسكة يد زوجها الأخير برنار دورمال (تزوجت قبله روجيه فاديم، وجاك شارييه، والألماني الثري غنتار صاكص، كما كانت عاشقة لرجال كثر). زوجها المؤمن مثلها بأفكارها، وصديق جان ماري لوبان، مؤسس الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة، نبّهها مرارًا إلى خطر تصريحاتها، ودخل مرة أحد الأستوديوهات ليجلس وراءها طمعًا في تأثير إيجابي عليها: “لم تكن تعبأ بعواقب مواقفها وتصريحاتها. كانت امرأة حرة تقوم بتجسيد ما تؤمن وتحس به”. ستبقى حية في قلوب الآلاف من المحبين للحيوانات من قالت: “من لا يحب الحيوانات… لا يحب الإنسان”، وستذهب النسبة الأكبر من تركتها المادية والمالية لمؤسستها حتى تبقى ترعى الحيوانات في قبرها!
منطقيًا، يفترض أن يرسل مديرها بعض المال لفلسطينيين اعتبرهم قادة إسرائيل حيوانات. على رأسهم رئيس وزرائها نتنياهو الذي لم يعد عدوًا لليمين المتطرف الكاره تاريخيًا لليهود، وبالتالي ليس عدوًا للسامية مثل العرب الساميين أيضًا.
أخيرًا، لاحظتُ أن معظم الذين دافعوا عن الراحلة حية وميتة كانوا من الرجال، ولم أسمع تصريحًا واحدًا من الممثلات الكبيرات اللاتي يشهد لهن النقاد بمواهب تمثيلية حقيقية.
أخيرًا، اكتشفت وأنا أنهي مقالي الذي أردته شاملًا، أن الزوج الأخير للراحلة، فرنسوا دورمال، قد ردّ على الرئيس الفرنسي الذي اقترح على عائلتها تنظيم تكريم وطني رفضه معظم السياسيين والمثقفين اليساريين. في حديث انفردت به مجلة “باري ماتش” التي انطلق منها روجيه فاديم زوجها الأول كصحافي قبل أن يصبح ممثلًا ومخرجًا، قال الزوج الأخير الذي عاش معها عقدين: “زوجتي عاشت بسيطة وشعبية، وإذا كان الرئيس ينوي تكريمها وطنيًا ما عليه إلا تنفيذ طلبها باتخاذ قرار إنشاء سكرتارية دولة للدفاع عن الحيوانات”!