Published On 6/1/20266/1/2026
|
آخر تحديث: 08:22 (توقيت مكة)آخر تحديث: 08:22 (توقيت مكة)
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
لم يعد مفهوم العائلة في الدراما المعاصرة بنية ثابتة أو نموذجًا مكتمل الملامح، بل تحوّل إلى سؤال مفتوح على الاحتمالات والقلق وإعادة التعريف. فالعائلة، كما تقدمها الأعمال الحديثة، لم تعد ملاذا مثاليا بقدر ما أصبحت مساحة للتفاوض المستمر بين المسؤولية والمشاعر والخيارات المؤجلة.
في هذا الإطار، يندرج مسلسل “سنجل ماذر فاذر” (SMF) بوصفه محاولة غير تقليدية للاقتراب من المناطق الرمادية في العلاقات الأسرية، حيث لا أبطال خارقون ولا أدوار جاهزة، بل شخصيات عادية عالقة بين أعباء مفروضة، وعواطف غير محسومة، ومسارات لم تكتمل بعد.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
منذ حلقاته الأولى، يعلن العمل انحيازه للإنسان قبل الحبكة، وللتفاصيل اليومية الصغيرة قبل الذروة الدرامية الصاخبة. لا يسعى المسلسل إلى افتعال الجدل، بقدر ما يراكم الأسئلة: ماذا يعني أن تكون أبا أو أما في غياب الشريك؟ وهل تكفي النوايا الحسنة لتعويض الفقد؟ وكيف تتشكل الهوية العاطفية للطفل داخل منظومة أسرية لا تنتمي إلى القالب التقليدي؟
ما بعد الانفصال
تدور أحداث المسلسل حول أم وأب منفصلين، يجمعهما طفل وحيد، ويفرق بينهما تاريخ طويل من سوء الفهم والخذلان والقرارات المؤجلة. لا يقدم العمل حكاية انفصال نمطية، بل يذهب أبعد من لحظة الفراق، متتبعًا ما بعدها: محاولات التعايش، إعادة رسم الحدود، والبحث عن صيغة إنسانية لتربية طفل في عالم بالغ القسوة والتشظي.
تتقدم الحبكة بإيقاع هادئ ومحسوب، معتمدة على التصاعد النفسي أكثر من تسارع الأحداث. فكل حلقة تكشف طبقة جديدة من الشخصيات، وتعيد تأطير مواقف بدت في البداية حاسمة، قبل أن تتكشف هشاشتها وتعقيداتها. وفي هذا السياق، لا يحضر الطفل كعنصر درامي ثانوي، بل كمرآة تعكس اختلالات الكبار، وتعيد مساءلتهم بصمت، ومن دون خطاب مباشر.
أداء متذبذب أنقذه الحوار
يقوم مسلسل “سنجل ماذر فاذر” على بطولة شريف سلامة في دور الأب (شريف)، وريهام عبد الغفور في دور الأم (سلمى)، وهما ممثلان ينتميان إلى مدرسة الأداء الهادئ، البعيد عن المبالغة والاستعراض. وبفعل نجاحاتهما الدرامية المتتالية خلال العامين الماضيين، تعلق كثيرون بهذه الثنائية المنتظرة، على أمل تقديم تجربة تمثيلية استثنائية، غير أن النتيجة جاءت ملتبسة، ووصفت لدى بعض المتابعين بأنها أقل من التوقعات.
نجح شريف سلامة في تقديم شخصية الأب باعتماد واضح على الاقتصاد في التعبير، وترك مساحات صامتة يدعو فيها المشاهد إلى التأمل والمشاركة. أتقن توظيف الصمت كأداة درامية، معبرا عن مكنونات الشخصية عبر النظرات، ونبرة الصوت، والحركات الدقيقة، ليبرز التناقض الداخلي بين الإحساس بالمسؤولية والندم، وبين الرغبة في القرب والخوف من الفشل. هذا التوازن منح الشخصية بعدا إنسانيا واضحا، وجعلها أكثر قابلية للتعاطف.
في المقابل، لم يرق أداء ريهام عبد الغفور في بعض المشاهد إلى مستوى التوقعات، خاصة في المشاهد الجماعية أو تلك التي تتطلب تفاعلا دراميا مكثفا، حيث بدا أداؤها أقل حدة من منسوب التوتر الذي تفرضه اللحظة الدرامية. ورغم ذلك، لم ينتقص هذا من قدرتها على التعبير عن الصراع الداخلي للشخصية، وتجسيد صورة الأم المنفصلة، القوية في ظاهرها، المنهكة في أعماقها. هذا التناقض أضفى على الشخصية تعددية في الأبعاد، وأسهم في تعزيز واقعية العمل.
وتبقى مشاهد المواجهة بين الزوجين من أكثر لحظات المسلسل قوة وتأثيرا، إذ بدا الحوار فيها طبيعيا وحيويا، محملا بتصاعد نفسي مدروس، ما جعل الصراعات الأسرية مقنعة وقريبة من الواقع، وأسهم في إنقاذ الإيقاع الدرامي في لحظات بدا فيها الأداء متذبذبا.
تامر نادي يستكمل مشروعه الفني
العمل قصة وإخراج تامر نادي الذي يعاود انحيازه الواضح إلى الهشاشة الإنسانية، مستكملاً مشروعه الفني القائم على تفكيك العلاقات المضطربة، والتركيز على المسكوت عنه داخل الأسرة المعاصرة والبيوت غير المستقرة المكتظة بشخصيات تعيش على هامش الاكتمال.
وكعادة أسلوبه الإخراجي، لجأ نادي إلى البساطة البصرية واستخدام الكاميرا القريبة والإضاءة الطبيعية، مع تركيز واضح على الوجوه، وحركة الجسد، وإبراز الإيقاع الداخلي البطيء للمشهد حيث الحوار المقتصد المثقل بالمعنى والأداء الواقعي، تاركاً المجال للتوتر أن يتراكم داخل المشهد ليعكس الحالة النفسية للشخصيات.
ورغم مخاطرة الوقوع في فخ التكرار الفارغ، نجح نادي بتوظيف هذه السمات في سياق جديد نسبيًا يركز على الأبوة والأمومة بوصفهما تجربة وجودية لا عقدًا اجتماعيًا فقط.
تجربة مشحونة بالأسئلة
مع اقتراب الانتهاء من عرض المسلسل، يمكن القول إن “سنجل ماذر فاذر” يقدم تجربة درامية هادئة وصادقة، مشحونة بالاستفهامات أكثر من الإجابات. العمل لا يسعى إلى إرضاء الجميع ولا يقدم حلولاً سهلة، بل يفضل وضع المشاهد في مواجهة مع حساسية العلاقات الحديثة.
ساعد على ذلك وجود سيناريو قوي لا يسقط في فخ الخطاب الوعظي، تاركاً المجال للشخصيات لتخطئ، وتتردد، وتفشل، دون أن يفرض على المتلقي موقفًا جاهزًا تجاهها. ورغم بعض البطء في الإيقاع خاصة في منتصف المسلسل، وتكرار بعض الحالات الشعورية دون تعميق الشخصيات الثانوية، يظل العمل تجربة واعدة للمتابع الذي يبحث عن دراما تحترم الذكاء العاطفي وتراهن على الصدق الإنساني بدل الصخب.
“سنجل ماذر فاذر” مسلسل قصير من 15 حلقة، يعرض حاليًا على منصة “شاهد” وإن كان أوشك على الانتهاء، تدور أحداثه في إطار كوميدي رومانسي مع لمسات درامية متوازنة.
العمل قصة وإخراج تامر نادي، وتأليف نجلاء الحديني، ومن بطولة ريهام عبد الغفور، وشريف سلامة، وهنادي مهنا، ومحمد كيلاني، وحنان سليمان، وليلى عز العرب، والطفل آسر أحمد حمدي.
