بيلا تار: إيمان راسخ بقوة السينما (غونزاليس كاستيلو/ Getty)
سينمائي آخر يغادر الحياة والدنيا. أبسط ما يُقال في رحيل المخرج المجري بيلا تار اليوم الثلاثاء، بعد أشهر قليلة على بلوغه 70 عاماً (21 يوليو/تموز 1955). فور شيوع النبأ، وكعادة متّبعة في حالةٍ كهذه، تغصّ وسائل التواصل الاجتماعي بكتابات متفرّقة، في بعضها كلام شخصي يطغى على مسائل ترتبط بسينماه. هذا عادي. فرغم أنّ جماهيريته الدولية أقلّ من تلك المتعلّقة بـنجوم ونجمات أشهر منه شعبياً، له حضور في الحساسية السينمائية لنقاد وصحافيين وصحافيات سينمائيين، عرب وأجانب، كما لمشاهدين ومشاهدات أجانب، لعلّ عددهم يتجاوز عدد العرب الهائمين به وبأفلامه.
أمّا الكتابة في رحيله، فتحتاج إلى إعادة مشاهدة هادئة لأفلامه، التي يصعب اختزالها في مقالة تودّع سينمائياً في رحيله. لكنّ سؤالاً يُطرح، وإن في مناسبة كهذه، عن فنّ الاقتباس السينمائي لروايات تؤثّر في راغبين وراغبات في جعلها أفلاماً. فبُعيد إطلاق العروض الدولية لـ”تانغو الشيطان” (1994)، المقتبس عن رواية بالعنوان نفسه (1985) لمواطنه لاسلو كراسناهوركاي (نوبل الآداب، 2025)، المتعاون معه مراراً في اقتباسات سينمائية لروايات له، يتساءل نقّاد عن مدى قدرة الاشتغال البصري في بلوغ المرتبة الدرامية للرواية، بامتداداتها المختلفة (الفنية والجمالية والسردية)، إضافة إلى صُنع الشخصيات وعوالمها، النفسية والجسدية والانفعالية والفكرية. وإذْ يرى البعض أن اقتباس بيلا تار لهذه الرواية متمكّن من صُنع فيلم متميّز بسحر مساراته وفضاءاته ومتاهته، ومتفرّد في “إيهام” مُشاهد ومشاهدة بأن الصُور السينمائية متفوّقة، بجمالياتها، على التفاصيل المكتوبة؛ يجد آخرون أن التفوّق هذا غير مقترب من الصنيع الروائي، فالفيلم، بحسب هؤلاء، أقلّ قدرة على غلبة الجمال والسحر في الرواية.
بيلا تار، الموصوف أسلوبه بـ”التفرّد والأصالة”، يستعين بـالأسود والأبيض في قراءته السينمائية للرواية، وبموسيقى تصويرية (المجري ميهالي فيغ) “شبه الجنائزية” المتكرّرة في مشاهد كثيرة، إضافة إلى اعتماده إضاءة طبيعية لا اصطناعية (تصوير المجري غابور مَدْفيغي)، ما يساعد على تبيان وقائع النصّ الروائي بلمسة سينمائية.
إثر وفاته، الحاصلة بعد فترة طويلة من خلل صحي، يُلفت النظرَ عنوانٌ رثائي، لعلّه يكون السمة الأبرز لسينماه: رحيل المخرج الموهوب في صُنع السينما الحزينة. هذا صائبٌ إلى حدّ كبير، لأن أفلامه تكشف خراباً وظلماً وقهراً، في عالم ينهار يومياً، وفي نفوس محبَطَة ومتألمة. توصف أفلامه بـ”المظلمة” أحياناً كثيرة، ويُذكر “تانغو الشيطان” أولاً لتأكيد هذا، فالفيلم الـ”ملحمي” (سبع ساعات) يلتقط مسار انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية، و”تدهورها المادي والروحي”. وكالة فرانس برس تكتب أن أفلامه متّسمة باستمرار “بنظرة متشائمة للحالة الإنسانية”، وبـ”إيمان راسخ بقوة السينما” في آن واحد. يُضيف تقرير الوكالة، المنشور بعد ساعات قليلة على وفاته، أنه “رغم إشادة غاس فان سانت وسوزان سونتاغ بها أعواماً مديدة، لا تزال تلك الأفلام غير معروفة نسبياً في فرنسا”.
تُقدِّم “ليبراسيون” خبر وفاته بالقول إن “هذا الفنان العظيم، رائد السينما المجرية” مشهورٌ بأعماله “الكئيبة والغامضة”. أيكون كلاماً له تفسير غير مباشر لاشتغاله أفلاماً تعجّ بالكآبة والغموض؟ يقول، ضمن حوار منشور في الصحيفة الفرنسية نفسها (الثامن من إبريل/نيسان 2022)، إنه في بداياته الحياتية يرتاد صالات السينما كثيراً: “كل شيء زائف. لا صلة لهذه الأفلام بالحياة. غاضبٌ جداً حينها، وكاره المجتمع المجري. تلك الإهانات اليومية المتعلّقة بالعمل، واضطراري إلى العيش مع ثمانية أشخاص في غرفة واحدة”، هذا قاسٍ وغير مقبول. يُضيف: “قوتي الدافعة متمثّلة بغضب أشعر به. لا خبرة لي. غير عارف كيفية فعل ذلك، لأني غير عارف الصواب من الخطأ”. لذا، سيُصوّر ما يراه “ليس لفتح باب، بل لتحطيمه”.
وفاة بيلا تار تبدو، في جانب منها، دعوة إلى إعادة مشاهدة صنيعه السينمائي، وهذه الإعادة مهمة. الكتابة في رحيله مختصرة، لكن نتاجه قادر على منحها حيوية التمتّع بتلك الكآبة وذاك الغموض، في راهن يزداد انهياراً وخراباً.
