ينطلق هذا الكتاب الذي حقق نجاحاً لافتاً في إيطاليا وصدر حديثاً في ترجمة فرنسية حملت توقيع ناتالي باور عن منشورات “سوي” (2025) من سؤال بسيط، من هي كاترينا، والدة ليوناردو دافنشي، المرأة التي لم يرد اسمها إلا عرضاً في بعض الوثائق والتي أنجبت ليوناردو خارج إطار الزواج من الكاتب العدل بييرو دافنشي؟
في الفصل الأخير من الفصول الـ13 التي يؤلف مجموعها متن الكتاب، يجيب كارلو فيتشه عن هذا السؤال، مبرزاً الطابع العلمي لمقاربته الروائية. فشخصية كاترينا التي أنصفها وبعثها من جديد بطلة لروايته ليست من اختراعه. إنها ثمرة أبحاث ودراسات تناولت وثائق قديمة من معاملات وعقود بيع وصكوك عتق وإيصالات وقيود ضريبية أنجزها بالتعاون مع مجموعة من الأكاديميين.
فقد درس فيتشه كل السجلات الموثقة لدى كتاب العدل المتعلقة ببييرو دافنشي، والد ليوناردو، وأرشيف عائلة كاستيلاني التي احتضنت كاترينا كمرضعة لأطفالها، وغيرها من الأوراق التي مكنته من إعادة بناء مسرى حياة هذه المرأة. ولعله اعترف بأنه تردد كثيراً بين كتابة دراسة علمية حولها مليئة بالحواشي تستند إلى “بيبليوغرافيا” مطولة، وبين سلوك “سبيل السرد الروائي” الهجين الذي يجمع بين الرواية والتحقيق التاريخي، مؤكداً أن خيار الرواية أملاه عليه طيف كاترينا نفسها التي كانت، على غرار “الشخصيات الست الباحثة عن مؤلف” في مسرحية لويجي بيراندللو، لا تكف عن زيارته.

الكتاب الرواية (دار سوي)
وهذا الخيار ليس تزييناً أدبياً بقدر ما هو موقف معرفي. فالتاريخ، كما يراه فيتشه لا يختزل في ما كتب لأن ما لم يكتب، ولا سيما حياة النساء والعبيد، هو جزء جوهري من الحقيقة. من هنا تأتي البنية البوليفونية للكتاب، أصوات متعددة، رجال ونساء، يتناوبون على السرد، وكل واحد منهم يقدم مقطعاً من الحكاية كما رآها أو عاشها. كاترينا نفسها نادراً ما تتكلم، لكنها حاضرة بوصفها محوراً صامتاً، تروى حياتها من خلال الآخرين، تماماً كما حدث في الواقع. وهذا الصمت ليس نقصاً سردياً، إنه تعبير عن موقعها التاريخي كامرأة مستعبدة، ترى ولا تسمع، اختطفت وهي لا تزال مراهقة على يد جنود مرتزقة يعملون في خدمة جمهورية البندقية التي كان نفوذها آنذاك يمتد حتى بحر آزوف.
ولعل الراوي الذي ينقل بصوت والدها ياكوف تفاصيل حياتها منذ ولادتها في قبيلة من القبائل الشركسية التي استوطنت جبال القوقاز ووصولها بعد رحلة بحرية طويلة محفوفة بالأخطار إلى المدينة العائمة، حيث بيعت إلى أحد رجالات مجلس الشيوخ، وعملها في متجر يملكه تاجر فلورنسي ماكر يقيم في البندقية، وفراره برفقتها إلى فلورنسا، وتعرفها إلى بييرو دافنشي، ثم وفاتها في ميلانو إلى جانب ليوناردو، يمزج الواقع بالخيال في سعي واضح إلى إعادة بناء الإطار التاريخي والاجتماعي الذي ولدت وعاشت فيه هذه المرأة.
لكن كيف لمعلومة وحيدة مثبتة علمياً أن تكون أساساً لسرد روائي يتجاوز 475 صفحة من دون أن تستعين بالخيال؟
في هذا السرد المتعدد الأصوات الذي تتعاقب فيه الروايات مع تنقل البطلة، لا يكتفي الرواة (ياكوف ويواصف وترمو وماريا ودوناتو وجينيفرا وفرانشيسكو كاستيلاني وأنطونيو وبييرو دافنشي وليوناردو وسواهم) بالحديث عن كاترينا، بل يتحدثون أيضاً عن أنفسهم، وعن مغامراتهم ومهنهم التي يرويها فيتشه بالاستناد إلى معارفه والوثائق التي فحصها، وإلى المناطق التي زارها بنفسه متتبعاً خطى بطلته. هكذا تتكون لدى القارئ صورة عن سواحل البحر الأسود في القرن الـ15، وعن مدينة القسطنطينية المعلقة على شفير الهاوية في مواجهة الخطر العثماني، وعن البندقية وأزقتها وساحاتها وقصورها، وعن دير سان ماركو في فلورنسا ومعالم المدينة الأخرى كالكنائس والقصور ومشاغل الأقمشة النفيسة المنسوجة بخيوط الحرير المكسوة بورق الذهب.
يتعرف إلى وقائع الحياة اليومية ووباء الطاعون، وغارات الرجال المسلحين على الأراضي الزراعية، والتصريحات الضريبية وشغف المثقفين والعائلات الكبيرة بالكتب الكلاسيكية الموضوعة باللغة اللاتينية، ولا سيما كتاب “في طبيعة الأشياء” للشاعر والفيلسوف الروماني لوكريتيوس، فضلاً عن الإشارات إلى ملاحم هوميروس وأشعار دانتي وأعمال عملاقي الأدب الإيطالي بوكاتشيو ومانزوني.
في هذه الرواية، لا تتبدى كاترينا شخصية استثنائية لأنها أم فنان عبقري، بل لأن مصيرها، كما يبين فيتشه كان مصيراً شائعاً لآلاف النساء في القرن الـ15. نساء اختطفن من أطراف أوروبا وآسيا، وجرى تحويلهن إلى سلع تباع وتشترى وتؤجر ضمن نظام اقتصادي وقانوني معترف به.
يقدم الكتاب إذاً قراءة مغايرة لعصر النهضة، هذا العصر الذي ارتبط في المخيال العام بالفن والجمال والعقلانية، بينما كان في واقعه التاريخي مشبعاً بالعنف والتفاوت الاجتماعي والعبودية التي كانت عنصراً فاعلاً في اقتصاد المدن الإيطالية الكبرى، ولا سيما البندقية وجنوى وفلورنسا، حيث ارتبطت تجارة البشر بالملاحة وبيع النسيج والمعادن الثمينة. ولعل توصيف هذا النظام في القرن الـ15 يعد أحد أكثر الجوانب إقناعاً وإرباكاً في الكتاب، إذ يكشف عن كيفية النظر إلى النساء المستعبدات بوصفهن “ممتلكات” ذات قيمة عالية، راوياً بدقة كيف كن يخضعن لفحوص جسدية، ويوسمن كما توسم الماشية للحيلولة دون فرارهن، وتدرج أوصافهن التفصيلية في العقود، وتفرض أيضاً الضرائب على تنقلهن. وكان الحمل غير المرغوب فيه يعامل باعتباره “إضراراً بالملكية”، لا جريمة أخلاقية ترتكب في حق المرأة نفسها. أما تحرير المستعبدات، فيثبت بوثيقة رسمية تحرر لدى كتاب العدل.
واعتماداً على هذه الوثائق، تمكن كارلو فيتشه من إعادة بناء مسار حياة كاترينا، ليعلمنا أن الرق الذي كان منظماً خلال العصور الرومانية، اختفى مع المسيحية. لكنه عاد للظهور في القرن الـ13 وأن النساء المستعبدات كنّ يؤدين أدواراً أساسية في الحياة اليومية، إذ كن عاملات في المشاغل وخادمات في البيوت ومرضعات للأطفال، وأحياناً أدوات تحالف اجتماعي بين العائلات.
وهذا العالم الذي يغيب عادة عن كتب تاريخ الفن، هو الخلفية الفعلية التي نشأ فيها ليوناردو دافنشي الذي لا يقدم الكتاب تفسيراً لعبقريته، بقدر ما يطرح فرضية تكوينية ذات أفق واسع. فالفنان هو طفل غير شرعي، نشأ في سنواته الأولى مع أم بعيدة من الثقافة الرسمية وأب غائب أو متردد. وهذه الطفولة خارج النظام، على ما يقترح الكتاب، قد تكون أسهمت في تشكيل شخصيته الاستثنائية من تعلمه الذاتي ونفوره من التعليم المدرسي وشغفه بالطبيعة بوصفها المصدر الأول للمعرفة وحبه للرسم الذي ورثه عن أمه. فقد تخيل ليوناردو كيف كانت كاترينا تزين بيديها الجميلتين الأقمشة النفيسة في مشاغل أسيادها في البندقية، فرسمهما بحسب فيتشه مراراً وتكراراً، ورسم كذلك ابتسامتها الخفيفة التي تضيء في لوحاته وجوه كثرٍ من النساء، وهي الابتسامة التي أعطت للكتاب عنوانه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويتوقف الكتاب كذلك عند انتزاع ليوناردو من أمه ودخوله في العائلة الأبوية، غير أن أثر الأم لا يزول، ولو اختفت من حياته لعقود. وها هي تعود في نهاية عمرها، ليحتضنها الابن ويقيم لها جنازة فخمة تشهد عليها الوثائق. وهذا التفصيل الأرشيفي الصغير يتحول في قراءة فيتشه إلى علامة اعتراف متأخر، وإلى لحظة مصالحة بين العبقري وأصله المنسي.
ومن أكثر أطروحات الكتاب إثارة للجدل تلك التي تربط بين حضور الأم في أعمال الفنان وذكراها، فكل لوحاته التي تتمحور حول الأم بدءاً من العذراء مريم مروراً بالقديسات الأمهات والنسوة ذوات النظرات الغامضة تقرأ برأي فيتشه بوصفها فضاءات رمزية لحنين غير معلن. فالابتسامات التي تشع من وجوه هذه الأمهات والتي بلغت ذروتها في لوحة الموناليزا، ليست إذاً لغزاً جمالياً مجرداً، بل هي أثر لذاكرة عاطفية مبكرة. ولعل الطبيعة بصخورها الغريبة ومناظرها الضبابية التي تظهر في خلفية اللوحات، ما هي بحسب المؤلف إلا عودة لعالم يذكر بمناطق الأطراف والجبال والبحار التي عبرتها كاترينا خلال مسيرتها القسرية.
يعترف فيتشه أنه لم يكتب هذه الرواية فقط من أجل كاترينا، بل من أجل كل النساء اللاتي عبرن البحار قسراً، ومتن من دون أن يتركن أثراً. هكذا يتحول كتابه من عمل تاريخي إلى شهادة معاصرة تشدد على أن الحضارة، مهما بلغت من رقي فني وفكري، يمكن أن تقوم في الوقت نفسه على الإقصاء والعنف والنسيان، وأن إعادة كتابة التاريخ من منظور الضحايا ليست ترفاً أخلاقياً، بل ضرورة معرفية.
“ابتسامة كاترينا، القصة الغريبة لأم ليوناردو دافنشي” كتاب يزعزع اليقين أكثر مما يقدم إجابات نهائية. إنه لا يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة حول أم الفنان الكبير، بل يقترح قراءة بديلة تفتح أفقاً جديداً لفهم عصر النهضة وتناقضاته. فمن خلال إعادة الاعتبار لامرأة واحدة، يمنح كارلو فيتشه صوتاً لملايين النساء اللاتي صنع التاريخ فوق صمتهن. ولئن كانت ابتسامة كاترينا خافتة، بالكاد ترى في الأرشيف، لكنها تبقى كافية لإعادة رسم وجه عصر كامل، لو أن ما خص مسرى حياتها لم يخلُ من الثغرات الكثيرة.
