جمعت بين الأديب والمخرج علاقة استثنائية، تجاوزت حدود التعاون العابر إلى شراكة فنية عميقة. فقد اقتبس تار روايات كراسناهوركاي سينمائياً، وفي أكثر من مناسبة تشاركا كتابة السيناريو. وكانت حصيلة هذا التلاقي خمسة أفلام من أصل 10 أنجزها تار على امتداد أربعة عقود، وهي أفلام كرسته معلماً بارزاً في السينما الأوروبية الحديثة وأحد الرموز العالمية لسينما “نخبوية”، تقف في مواجهة السينما الترفيهية التي فرضت منطقها وقوانينها وأعرافها على ذائقة المشاهد المعاصر.

1.jpeg

من “لعنة” الفيلم الذي كرس أسلوب بيلا تار (ملف الفيلم)

على رغم الاسم الذي صنعه والتقدير الذي ناله، توقف بيلا تار عن تصوير الأفلام وهو في الـ56. أعلن ذلك بوضوح ومن دون تردد: “قلت كل ما أريد قوله، ما عاد لي شيء أضيفه”. لم يكن في خياره أي استفزاز، ولا رغبة في خلق أسطورة الاعتزال. كان قراراً عملياً منسجماً مع كل ما أنجزه سابقاً. وبعد فيلمه الأخير “حصان تورينو” (2011) الذي يبدو اليوم أشبه بوصية، حوَّل ما تبقى لديه من أفكار إلى صيغ أخرى خارج الفورمة الروائية الطويلة التي ضاقت عليه.

لم يكن تار معنياً بالحدوتة السينمائية بل عارضها مُشغلاً نفسه برواية الزمن وتأثيره فينا. في رأيه أن ما يهم ليس ماذا نروي، إنما كيف نعيد رواية ما نعرفه. السينما عنده أداة وليست هدفاً نهائياً في ذاته، تعاطى معها بلا قداسة أو انبهار. أفلامه تكونت من إحساس عالٍ بالمكان والزمان، بعيداً من السيناريو التقليدي الذي لم يكتبه كي يصبح أحد أعمدة ما يعرف بـ”سينما المؤلف”، إنما من أجل تسهيل عملية الحصول على تمويل. وأكثر ما شغله هو المكان والوجوه والزمن، فيما الإنسان هو دائماً في قلب هواجسه.

معنى الوجود الإنساني

thumbnail_3.jpg

من فيلم “رجل من لندن”: سينما التحديق (ملف الفيلم)

تشكلت ثقافته لا على مقاعد الدراسة، بل في مراقبة الناس وهم يصمدون داخل شروط قاسية لا يملكون تغييرها. منذ فيلمه الأول “عش العائلة” (1979) اختار المعسكر الاجتماعي في المجر الشيوعية، راصداً تفكك بيئة كاملة من الداخل. في البداية كان الغضب هو الدافع. لاحقاً ومع تراكم التجربة، أدرك أن المشكلة أعمق من الاجتماع والسياسة، فهي تمس معنى الوجود الإنساني داخل منظومة لا تكترث بنا. لهذا، رفض دائماً اختزال الشرط الإنساني ضمن خطاب سياسي مباشر. كان يرى أن الإسفاف السياسي عابر، يأتي بلا سبب ويذهب بلا سبب، بينما تبقى كرامة الحياة، أية حياة، الجوهر الذي ينبغي أن تدور عليه سينماه. 

الزمن هو المادة الخام في سينما بيلا تار. اللقطة الطويلة التي صنعت مجده ليست خياراً جمالياً فحسب، إنما دعوة إلى التحديق، إلى البقاء داخل المشهد، إلى تحمل ما يحدث من دون قطع أو تهرب. أما الأسود والأبيض عنده فليس حنيناً ولا تزكية للواقعية، هو فضاء أوسع للإخفاء والإظهار للتعامل مع الصورة كمادة تشكيلية. قال غير مرة إن أفلامه بالأسود والأبيض أكثر تلويناً من أفلام بالألوان تشبه البلاستيك.

thumbnail_4.jpg

“حصان تورينو” وصية سينمائية (ملف الفيلم)

في بداياته واجه رقابة سياسية، ولاحقاً رقابة السوق. كان يرى أن رقابة السياسيين أرحم لأنك تعرف ما الذي يزعجها، أما رقابة المشاهد والسوق فغامضة ومتقلبة. وكان شرطه الوحيد على المنتج أن يتركه وشأنه، فإن تحقق ذلك خرج إلى الوجود فيلم جدير بالاحترام، وإن لم يتحقق بدا الصراع حتمياً لا مفر منه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يكن نوستالجياً للماضي ولا لسواه. كره الشيوعية التي “سرقت 40 عاماً من حياته” على حد قوله، واعتبرها نظاماً فيودالياً لا علاقة له بالمثال النظري. شهد سقوط الجدار في برلين، يوم اضطر اللجوء إليها بعد عرض فيلمه “لعنة” ورأى أن الشيوعية انهارت من تلقاء نفسها لأنها تعفنت من الداخل، لا بسبب ثورة. وكثيراً ما آلمته حقيقة أن الأفلام التي أنجزها في الماضي يمكن إنجازها اليوم بالخطاب نفسه. بعض ما كان يعد خيالياً صار واقعاً.

ظـل على غضبه الشبابي حتى النهاية، لكنه مع الوقت بات أكثر تسامحاً مع الناس، ما عاد يلومهم بقدر ما بدأ يحاول فهمهم. اكتفى بحفنة من الأفلام الصادقة التي ستعاد الاكتشاف بعد رحيله، دونما أي شعور بنقص أو ندم أو أن شيئاً ما فاته. لم ينظر إلى السينما كمسابقة أو اختبار، بقدر ما عاملها كمسار فهم طويل انتهى عندما وصل إلى حده الأقصى.