Published On 9/1/20269/1/2026

|

آخر تحديث: 20:52 (توقيت مكة)آخر تحديث: 20:52 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

share2

يأتي فيلم “رهين” كأحد أحدث التجارب السينمائية السعودية، إذ يعمل في مساحة تجمع بين الكوميديا السوداء والدراما الاجتماعية، وتمزج السخرية بالتوتر.

عُرض الفيلم لأول مرة ضمن فعاليات مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي، قبل أن يصل إلى جمهور أوسع عبر منصة نتفلكس، في خطوة تعكس تزايد حضور السينما السعودية على المنصات العالمية.

اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list

الفيلم من إخراج أمين الأخنش، ومن إنتاج شركة تلفاز 11، ويشارك في بطولته عدد من الوجوه المعروفة، أبرزهم محمد الدوخي في دور البطولة، إلى جانب يزيد المجيول، وعبدالعزيز السكيرين، وعبدالله الدريس، وأبرار فيصل، مع مشاركة أولى للاعب كرة القدم السابق سعيد العويران في تجربة تمثيلية.

 

رهين والجريمة الكوميدية

تدور أحداث “رهين” حول شخصية سطام (محمد الدوخي)، رجل يرزح تحت وطأة ضغوط مالية خانقة، ويجد نفسه محاصرًا بسلسلة من الديون من ناحية، والعلاقات المتصدعة من ناحية أخرى. يعيش سطام في منزل متواضع مع والدته المنفصلة عن والده الثري، وابنته الصغيرة بعد انفصاله هو شخصيًا عن زوجته، وعلى الرغم من تورطه في العديد من المشاكل والأزمات، فإنه يحاول عدم نقل هذه الضغوط إلى منزله، أو السماح لها بأن تؤثر على علاقته بصغيرته.

ومع تزايد ديونه، وتصاعد الخطر الذي يهدد حياته إن لم يسددها في أقرب وقت، يلجأ سطام إلى فكرة جريئة وعبثية في آن واحد، وهي اختطاف والده وطلب فدية، في محاولة يائسة لإنقاذ حياته والحفاظ على تماسك أسرته الصغيرة.

هذه الخطة، التي تبدأ كحل عملي في ذهن البطل، سرعان ما تنقلب إلى سلسلة من المواقف الفوضوية، خصوصًا عندما يدخل على الخط أخوه الأصغر وزوجة هذا الأخ، العاشقة للمال، لتتحول كل خطوة جديدة في هذه الخطة إلى تهديد واضح بالفشل والفضيحة.

فيلم السعودي "رهين" المصدر: نتفلكس“رهين” ينتمي إلى أفلام الجريمة الكوميدية، التي تقوم بنيتها الأساسية على الفوضى المتصاعدة (نتفلكس)

ينتمي “رهين” إلى أفلام الجريمة الكوميدية، التي تقوم بنيتها الأساسية على الفوضى المتصاعدة، حيث تتحول الجريمة من فعل محسوب إلى سلسلة من الأخطاء وسوء التقدير. هذا النوع غالبًا ما يعتمد على تصعيد عبثي للأحداث، وتداخل أطراف غير متوقعة، بما يحوّل الجريمة نفسها إلى محركة للكوميديا. وقد قدمت السينما العالمية نماذج مميزة في هذا الإطار من أفلام الجريمة الفوضوية، مثل “فارجو” (Fargo) و”يحرق بعد القراءة” (Burn After Reading) للأخوين كوين.

يسعى فيلم “رهين” بوضوح إلى استلهام هذا الأسلوب، سواء على مستوى البناء الدرامي أو طبيعة الشخصيات الساذجة التي تظن نفسها ذكية وقادرة على تنفيذ عملية إجرامية محكمة، إلا أن الأزمة الأساسية تكمن في طبيعة هذا الاستلهام؛ فبدلًا من إعادة تفكيك النموذج بما يتلاءم مع السياق المحلي، يبدو الفيلم أقرب إلى إعادة إنتاج قالب أميركي جاهز، من حيث الإيقاع، وطريقة إدارة الفوضى، ومشاهد الأكشن، وألوان الفيلم وتصميم المناظر، وحتى شكل الكوميديا نفسها.

وعلى الرغم من أن الأحداث تدور داخل بيئة سعودية، وتستند ظاهريًا إلى صراع محلي الطابع، فإن الفيلم يبدو منفصلًا عن واقعه، كأنه يدور في فراغ جغرافي واجتماعي، ما يجعل محاولته لتقديم كوميديا محلية محدودة التأثير. وبدلًا من أن تتحول الفوضى إلى أداة لكشف تناقضات المجتمع أو شخصياته، تتحول في أحيان كثيرة إلى مجرد محاكاة لفوضى مألوفة في السينما الأميركية، دون أن تترجم إلى رؤية نابعة من السياق الخاص بالفيلم أو السينما السعودية.

 

بحث السينما السعودية عن صوتها

في إطار التحولات التي شهدتها السينما السعودية خلال السنوات الماضية، برزت أعمال سينمائية حاولت كسر النمط السائد، ونجح بعضها في تقديم مقاربات سردية جديدة أسهمت في ترسيخ حضور مميز على المستويين المحلي والدولي.

من بين هذه الأعمال فيلم “بركة يقابل بركة”، الذي اعتمد على الكوميديا الاجتماعية لطرح قصة حب تتشابك مع تعقيدات الحياة اليومية والعادات الراسخة في المجتمع السعودي. وتميز الفيلم بحس محلي واضح في رصد التباينات الاجتماعية والثقافية، ما أهله ليكون من أوائل الأفلام السعودية التي حظيت بعرض عالمي عبر منصة نتفلكس، إضافة إلى مشاركته في مهرجانات سينمائية دولية. كذلك يبرز فيلم “المرشحة المثالية” للمخرجة هيفاء المنصور، الذي قدم دراما اجتماعية ذات بعد سياسي مستوحى من الواقع السعودي، وتم اختياره للمنافسة في مهرجان البندقية السينمائي، في دلالة على قدرة السينما السعودية على خوض مساحات سردية متنوعة وذات تأثير.

أما في المرحلة الأحدث، فقد اتسع نطاق التنوع السينمائي مع أعمال مثل “بين الرمال”، الذي قدم حكاية بقاء وصراع إنساني في قلب الصحراء من خلال رؤية بصرية تستحضر البيئة السعودية بعمقها وخصوصيتها، إلى جانب فيلم “مندوب الليل” للمخرج محمد الدوخي، الذي جمع بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي، معبرًا عن مرحلة جديدة من السينما المحلية القادرة على المزج بين الهوية السعودية والمعالجة الفنية المعاصرة.

في هذا السياق، يبدو “رهين” جزءًا من تجربة أوسع لا تزال السينما السعودية تختبر من خلالها لغتها الخاصة، وتبحث عن توازن دقيق بين مخاطبة جمهور محلي يعرف تفاصيل بيئته، وجمهور عالمي لا يمتلك هذه الخلفية. غير أن “رهين”، رغم اعتماده على بيئة سعودية وعلاقات أسرية محلية، لا يذهب بعيدًا في تفكيك هذه الخصوصية، ولا يمنحها وزنًا كافيًا داخل البناء الدرامي، ما يجعله أقرب إلى فيلم يمكن أن يحدث في أي مكان آخر، مع تغيير الأسماء واللهجة فقط.

أما عرض الفيلم عبر منصة نتفلكس (Netflix)، فيضعه ضمن مرحلة جديدة من انتشار السينما السعودية خارج نطاق المهرجانات والجمهور المحلي، فالوصول إلى منصة عالمية يمنح الفيلم فرصة مشاهدة أوسع، لكنه في الوقت نفسه يفرض معايير مختلفة، ويضع العمل في مقارنة مباشرة مع إنتاجات عالمية تنتمي إلى النوع نفسه. وإن كان “رهين”، تكشف هذه المقارنة عن الفجوة بين الطموح الإنتاجي والرؤية الفنية، حيث يبدو الفيلم منسجمًا شكليًا مع منطق المنصة، لكنه يفتقر إلى الصوت الخاص القادر على تمييزه داخل هذا الزحام العالمي.

في المحصلة، يطرح “رهين” نفسه كفيلم طموح يسعى إلى التماهي مع قوالب سينمائية عالمية راسخة، لكنه يتعثر في تحويل هذا الطموح إلى رؤية محلية متماسكة. وبين الرغبة في العالمية والحاجة إلى صوت خاص، يبقى الفيلم شاهدًا على مرحلة انتقالية في السينما السعودية، لا تزال تبحث فيها عن لغتها السينمائية الأكثر صدقًا وخصوصية.