لأعوام طويلة أغلقت السينما المصرية أبوابها في وجه الأفلام الرومانسية، وبخاصة خلال المواسم المهمة، وعوملت معظم الموضوعات الخارجة عن الأكشن والكوميديا بلا ترحاب أو حماسة، حتى تغيرت المقاييس فجأة، واتجهت نحو مسارات جديدة بعدما انتصرت السينما الرومانسية بسداسية متتالية أحرزت في شباك التذاكر، ووصلت إيرادات بعض الأفلام إلى نحو 100 مليون جنيه (مليونين و100 ألف دولار)، وهو رقم لا تحققه إلا الأفلام التجارية الضخمة التي يلعب بطولتها نجوم الأكشن والكوميديا فحسب.
“هيبتا”… ضربة البداية
منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025 اتجهت السينما المصرية نحو عرض موضوعات مختلفة هادئة، وسيطرت أفلام الحب والقصص الإنسانية التي تتناول العلاقات العاطفية على الموضوعات المختلفة لنحو ستة أفلام، هي “هيبتا 2″، و”لنا في الخيال حب”، و”فيها إيه يعني”، و”السلم والثعبان”، و”إن غاب القط”، و”طلقني”.
وكان الطرح مجازفة، وبخاصة أنه خلال بداية موسم الشتاء تتهاوى الإيرادات ونسب الحضور الجماهيري بعد العودة للمدارس، وانصراف غالب الأسر والشباب عن الترفيه بدافع الدراسة، ومع ذلك تجرأ صناع السينما على المغامرة وطرحوا أفلاماً تكلفت أرقاماً إنتاجية ضخمة ضمن موسم غير مضمون، وبدأت العروض بفيلم “هيبتا” في جزئه الثاني، بعدما عُرض الجزء الأول منذ نحو سبعة أعوام.

تناول فيلم هيبتا قصص حب متعددة (الشركة المنتجة)
وتناول العمل الذي لعبت بطولته منة شلبي ومحمد ممدوح وكريم فهمي وجيهان الشماشرجي وسلمى أبو ضيف قصص حب متعددة، فجسدت منة شلبي شخصية باحثة تخترع تطبيقاً إلكترونياً يبحث عن الشخص المناسب عاطفياً، ويظل يصاحبه يتفاهم معه حتى يستطيع الشخص الحصول على حبيب في الحقيقة. كذلك ناقش العمل العنف الزوجي في إحدى القصص، وآثار الطلاق والتدمير النفسي الذي يلحق بالطرفين. ونجح الفيلم في إحداث حال من الجذب الجماهيري على رغم صعوبة الموضوعات التي تناولها واقترابها من القصص البسيطة التي لا تحمل حبكات ونقلات مثيرة لجمهور السينما.
وربما كان العامل الأساس في النجاح هو أن الفيلم لا يقدم قصة حب واحدة، بل مجموعة من العلاقات المتقاطعة، تطرح كحالات للنقاش أكثر من كونها حكايات مكتملة، ولم يكن الحب هو الهدف الأساس للحكايات، بل كان تشريحه وتحليله هو الغاية، ولم تبحث الشخصيات الرئيسة عن نهاية سعيدة لقصتها، بل كانت تريد تفسير ما يحدث لها واستيعابه.
وغازل الفيلم جمهوراً له طبيعة خاصة تميل للتأمل النفسي، لذلك اعتمد على الحوار المكثف والبناء المتقاطع، وابتعد من انسيابية وتقليدية السرد، فجاءت الحكايات تصدر الرومانسية كفكرة معاصرة معقدة، وليس أمراً له قوالب جاهزة وقواعد مفهومة مما أحدث انقساماً في التلقي، ومع ذلك استحسنت شريحة كبيرة من الجمهور هذا النوع غير النمطي من الطرح.
“فيها إيه يعني”… الحصان الرابح
قد يكون من المتوقع أن يحقق فيلم مثل “هيبتا” نجاحاً شبه مضمون بسبب تصدى كوكبة من نجوم السينما لبطولته، لكن كان فيلم “فيها إيه يعني” أكثر الأفلام التي حققت مفاجأة على الصعيد الجماهيري والنقدي والمادي أيضاً، ووصلت إيراداته لنحو 100 مليون جنيه (مليونين و100 ألف دولار).
لم يراهن أحد على تحقيق هذا الفيلم لتلك الطفرة، وبخاصة أن أبطاله ليسوا نجوم الشباك أصحاب الحظوة عند الجمهور، إذ لعب بطولته ماجد الكدواني وغادة عادل وشاركهما بطولته أسماء جلال ومصطفى غريب، والتوليفة بوجه عام لم تضع الفيلم على خريطة المراهنات الحماسية بشباك التذاكر.
إضافة إلى أن موضوعه يخص فئة عمرية تقترب من الستينيات، إذ تدور الأحداث حول رجل ستيني يرجع إلى بيته القديم فيستعيد قصة حبه القديمة مع امرأة أحبها في صباه وتركها بعدما ركض خلف أحلامه وطموحاته، ويجمع القدر بين الحبيبين بعدما فات قطار الشباب ويمنحهما فرصة جديدة ليحققا فيها أحلامهما قبل فوات الأوان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقد تكون هذه النوعية من القصص الرومانسية التي لا تخص مرحلة الشباب ذات صيت في السينما العالمية، لكن ضمن السينما المصرية الأمر مختلف، إذ لا تحبذ تلك الفئات العمرية والموضوعات التي تخصها، بينما تتميز الدراما التلفزيونية بتناول تلك القصص وبخاصة ضمن المسلسلات المعروضة خارج الموسم الرمضاني. لكن فاجأ فيلم “فيها إيه يعني” الجميع بإقبال جماهيري كبير وحماسة فتحت الشهية لطرح مزيد من القصص الدرامية والإنسانية الرومانسية التي تخص كل الأجيال دون خوف.
وكان أبرز عناصر نجاح “فيها إيه يعني” أنه عمل رومانسي بسيط لا يحمل خطابات كبرى ولا صراعات مصيرية، ولا يدعي العمق الفلسفي أو يسعى إلى تصحيح العلاقات، بل يقدمها كما هي متقلبة وعميقة ومليئة بالمفارقات الصغيرة، وكل هذه العناصر جعلته عملاً مريحاً للمشاهدة، ويستهدف جمهوراً يبحث عن المتعة لا التحليل.
“ولنا في الخيال حب”… الشفاء بالحب
جاء فيلم “ولنا في الخيال حب” ليضع الرومانسية في منحنى جديد، فناقش شريحة الطلاب والحب بينهم وكيف يمكن أن يتأثر ويتعرض لحالة مربكة في بعض الأوقات. ولعب بطولة الفيلم أحمد صلاح السعدني ومايان السيد وعمر زريق وأخرجته سارة زريق. بدأت الأحداث بقصة حب جمعت زميلين في الدراسة خلال سن صغيرة وهما وردة ونوح، وبحكم صغر سنهما تدب الخلافات مما يسبب انفصالهما.
يظهر الدكتور يوسف الذي يدرس لوردة في معهد الموسيقى خلال وقت حرج جداً، إذ تعاني الفتاة افتقاد حبيبها، بينما يواجه يوسف أزمة نفسية بسبب موت زوجته ورفضه تقبل الفكرة. تتصاعد الأحداث بعدما تدخل وردة في حياة يوسف، وتحاول مساعدته على الشفاء من أزمة موت الزوجة فيقع يوسف في حبها دون أن يدري، وهنا يحدث الصراع بين عقله وقلبه، وتتطور الأمور عند محاولة عودة الحبيب الأول لوردة، وهنا يجد يوسف نفسه مضطراً أن يحتفظ بمشاعره في قلبه، ويضحي ليدعم قصة الحب المنطقية بين الحبيبين الصغيرين.

يعد فيلم “ولنا في الخيال حب” أكثر الأفلام الرومانسية نضجاً (الشركة المنتجة)
ويعد فيلم “ولنا في الخيال حب” أكثر الأفلام الرومانسية نضجاً من حيث البناء الدرامي والتأثير العاطفي، لأنه لم يتعامل مع الحب كعلاقة فحسب، بل كحالة إنسانية مرتبطة بالفقد والوحدة ومحاولة النجاة وكطريقة للشفاء كذلك.
وجسدت العلاقات بين الأبطال نقطة قوة بالفيلم، إذ قامت على فكرة التأزم النفسي الذي جمع الكل ضمن منطقة رمادية يسيطر عليها الاحتياج والخوف والألم، وكان استخدام الحب حلاً سحرياً وانتصاراً كبيراً للرومانسية التي تفيد الناس وتشفي جراحهم، لذلك أعاد العمل للحب رونقه ودوره في القصص السينمائية بنبرة هادئة مؤثرة ودون مبالغة خيالية.
“السلم والثعبان”… سلاح مزدوج
وطرح أيضاً فيلم “السلم والثعبان – لعب عيال”، واعتبره بعضٌ جزءاً جديداً من الفيلم الذي يحمل نفس الاسم وعرض منذ نحو 24 عاماً، بطولة حلا شيحة وهاني سلامة، ويعد من أيقونات السينما الرومانسية.
الجزء الجديد الذي أخرجه طارق العريان مخرج الفيلم الأول اعتمد على مجموعة من النجوم الشباب مثل عمرو يوسف وأسماء جلال وحاتم صلاح وظافر عابدين، في محاولة لصنع توليفة رومانسية معاصرة تقترب من المشكلات الحالية للحب وليس من الأزمات القديمة التي عالجها في الفيلم السابق، ودارت حول الاحتياج والتمسك العاطفي عقب الصراعات بين المسؤولية والمشاعر.

رغم أزمة التصنيف العمري لفيلم السلم والثعبان فإنه جذب الجمهور (الشركة المنتجة)
العمل الجديد ارتكز على فكرة الملل الزوجي على رغم السعادة التي قد تستمر 10 أعوام، وجسد عمرو يوسف شخصية زوج ثري وناجح متزوج من امرأة أحبها بشدة وأنجب منها طفلين وعاشا في سعادة مدة طويلة، حتى شعر فجأة بتسرب ملل زوجي قاتل استدعى طلب فترة ابتعاد بينه وزوجته، وطوال الفترة المتفق عليها تحاول الزوجة استعادته بطرق مختلفة منها الإثارة والتجديد في قوالب الجذب والحب.
وصُنف العمل أنه غير صالح للمشاهدة بالنسبة إلى فئة صغار السن، لأنه يتطرق إلى مشكلات وعبارات لا تصلح لفئات عمرية. وعلى رغم أزمة التصنيف العمري جذب الفيلم قطاعاً كبيراً من الجمهور، وبخاصة أنه كان شديد الجرأة في طرح المشكلات الزوجية المعاصرة، وكيف يفكر الأزواج في كسر القوالب والتمرد على الحياة الهادئة.
على مستوى الإيرادات حقق الفيلم تقريباً 100 مليون جنيه (مليونين و100 ألف دولار) بشباك التذاكر، وشكل طفرة في موسم سينمائي لا ينتمي إلى المواسم المضمونة.
“طلقني… إن غاب القط”
وبناء على نجاح الأفلام الرومانسية وحصد إيرادات ضخمة، تشجع صناع السينما وطرحوا أخيراً فيلمين ينتميان إلى الجانب الرومانسي الكوميدي، وهما “إن غاب القط” لآسر ياسين وأسماء جلال وسماح أنور، وأيضاً “طلقني” لكريم محمود عبدالعزيز ودينا الشربيني.

يجمع فيلم “إن غاب القط” بين الجانب الرومانسي وكذلك الكوميدي (الشركة المنتجة)
يدور الفيلم الأول حول شقيقين توأمان أحدهما طبيب مسالم والآخر لص محترف، وتتصاعد الأحداث عندما يقع اللص في حب خطيبة شقيقه. أما فيلم “طلقني” فيتناول قرار الطلاق وصعوبته على زوجين كان يجمعهما الحب، ويرصد العمل المشاعر والتغيرات التي تترتب على الانفصال العاطفي. وحقق الفيلمان بوصفهما الأحدث داخل دور العرض السينمائي إيرادات تصدرت شباك التذاكر بصورة يومية خلال الأسبوع الماضي.
الرواج والانتعاش والنجاح الذي حققته الأفلام الستة سواء بشباك التذاكر أو على المستوى النقدي أثبت أن الرومانسية كسرت قالب الضيفة الخجولة، التي كانت تظهر على استحياء ضمن مواسم لا تنعم بالعروض القوية، ويبدو أن الأفلام العاطفية ذات القصص الإنسانية الشاعرية تحولت للاعب أساس في شباك التذاكر، وأحدثت تغيراً كبيراً في مسار السينما، ونجحت في إعادة الاعتبار للعاطفة كقيمة فنية وتسويقية في آنٍ.
