أقامت امرأة دعوى طلاق للضرر، على خلفية إصابة زوجها بمرض نفسي واضطرابات عصبية، وخشيتها من أن يؤذيها، وطلبت شهادة المستشفى وطبيب الزوج، فيما أنكر الزوج ادعاءات زوجته، وقال إنها خرجت من منزل الزوجية من دون إذنه.

وبينما رفضت المحكمتان الابتدائية والاستئناف دعوى المرأة، على سند أن «المحكمة لا تساعد الخصم في الحصول على بيّنته»، أيدت المحكمة الاتحادية العليا طعنها ضد حكم رفض الدعوى، مؤكدة في الحيثيات أن «قانون الإثبات الإماراتي جعل للقاضي دوراً إيجابياً في الإثبات إظهاراً للحقيقة، وتحقيقاً للعدالة».

وذكرت أن القانون حدّد قواعد الإثبات الخاصة بشهادة الشهود وشروط قبولها وكيفية سماعها والحالات التي يجوز فيها الإثبات بشهادة الشهود، باعتبار أن الشهادة وسيلة للإثبات القضائي.

وأوضحت أن الشهادة إخبارُ شخص من غير أطراف الخصومة، أمام القضاء، بصدور واقعة من غيره، تثبت حقاً لشخص آخر، أو تنشئ التزاماً على الغير، والمقرر أن الشهادة حجّة على الغير إذا اقتنعت بها المحكمة، وعليه فإن القاضي يتمتع بسلطة واسعة في تقديرها، فلا يلتزم القاضي بها إلا إذا اطمأن إليها.

وتتلخص وقائع الدعوى في أن امرأة رفعت قضية ضد زوجها، وقررت في صحيفة دعواها أنها زوجة المدعى عليه، وفي عصمته، وقد اختلى بها ولم يعاشرها معاشرة الأزواج، واكتشفت أنه يعاني اضطرابات نفسية وعصبية، ويتخلل ذلك تقلب مزاجه، وكثرة شكوكه، واستيقاظه مفزوعاً في ساعات متأخرة من الليل، ويخيل إليه رغبة أحد في قتله، وادعاؤه أن أصدقاءه يحملون الحقد تجاهه، ويضمرون له الشر، ما دفعه لإنهاء علاقاته معهم، وأكدت أنها حاولت إقناعه بمقابلة طبيب نفسي مختص للوقوف على حالته، وتمكنا من الذهاب لمستشفى، وإجراء الكشف الطبي الذي أكد إصابته باكتئاب نفسي حاد وذهان.

ووفقاً للتقرير الطبي، فهو مصاب بانفصام في الشخصية منذ زمن طويل، وقد وصف له الطبيب علاجاً، على أن يراجعه لاحقاً، إلا أنه رفض أخذ الدواء، ورماه في القمامة.

وتابعت أن الأمر تفاقم أكثر، إذ قدم استقالته من وظيفته بسبب شكوكه في من حوله، واعتقاده الدائم بأنهم يتربصون به، ويقومون بعمل السحر لأذيته.

وصار الأمر بالنسبة لها أكثر رعباً، إذ يوقظها بطريقة مفزعة يومياً، ويسألها لماذا تريد قتله، ويصفها بأن بها مساً من جنّ، وأنها غير طبيعية، الأمر الذي آذى مشاعرها، وشغل تفكيرها، وجعلها مرعوبة منه طوال الوقت، وتخاف أن يؤذيها في إحدى نوباته المرضية.

وعززت مطالبتها برفضه توفير مسكن زوجية لها، بحجة أنه الابن الوحيد لوالدته، ولا يرغب في مفارقتها، فيما تتدخل والدته وشقيقته في شؤونها الخاصة، وتحاولان إجبارها على القيام بما لا ترغب فيه، ومنعها من القيام بما ترغب فيه، حتى فيما يخص اختيار الطعام والشراب، ويحدث ذلك تحت سمع وبصر المدعى عليه، فيما لا يحرك ساكناً، بل يوجهها بشكل مستمر بأن تسمع وتطيع والدته.

وذكرت أنها تضررت منه ضرراً يتعذر معه دوام العشرة بينهما، والتمست من المحكمة تطليقها منه للضرر، وإلزامه بنفقة عدتها ومتعتها ومؤخر مهرها، وإلزامه بالمصروفات.

في المقابل، أنكر المدعى عليه كل ما ادعته المدعية في صحيفة دعواها من مرض، وقرر بأن ادعاءاتها بشأن سلوكه غير صحيحة، وأنه غير مصاب بمرض نفسي، ولا تقارير طبية رسمية تؤيد ادعاءها.

وأكد أنه لم يتعرض لها بأي نوع من الأذى، وأنها هي التي طلبت الطلاق من تلقاء نفسها من دون أي مبرر، وقال إنها خرجت من منزل الزوجية من دون إذنه، وذهبت إلى منزل والدها، فطلب منها العودة لكنها رفضت، لافتاً إلى أنها خارجة عن طاعته، ملتمساً رفض الدعوى لعدم الصحة.

وأنكرت الزوجة ما ادعاه المدعى عليه في مذكرته الجوابية، وأودعت مذكرة تعقيبية بواسطة وكيلها، وتمسكت بطلباتها السابقة، والتمست في طلباتها المعدلة مخاطبة مستشفى لتزويد المحكمة بالتقارير الطبية الخاصة بالمدعى عليه، واستدعاء طبيب المدعى عليه لسماع شهادته.

وحكمت المحكمة الابتدائية برفض الدعوى، على سند أن المحكمة غير ملزمة بإحالة الدعوى للتحقيق ومخاطبة الجهات، لكون المحكمة لا تساعد الخصم في الحصول على بينته، وأيدت محكمة الاستئناف هذا الحكم، فطعنت في الحكم بالنقض.

وأيدت المحكمة الاتحادية العليا طعن الزوجة ضد الاستئناف، مؤكدة أن الشهادة حجّةٌ على الغير إذا اقتنعت بها المحكمة، وعليه فإن القاضي يتمتع بسلطة واسعة في تقديرها، فلا يلتزم القاضي بها إلا إذا اطمأن إليها، وقد نصت المادة (69) من قانون الإثبات الإماراتي على أن تكون الشهادة عن مشاهدة ومعاينة، ومع ذلك تُقبل الشهادة بالتسامع كاستثناء في حالات الوفاة وإثبات النسب وأصل الوقف الخيري الصحيح للمصلحة العامة، والشهادة بالتسامع حال استفاضة الخبر واشتهاره بين الناس، لأن بعض الأمور لا يطلع عليها إلا الخواص من الأقارب، والقول بعدم الأخذ بالشهادة بالتسامع يؤدي إلى وجود الحرج بين الناس في الحالات المذكورة، لذا تنوعت الشهادات إلى شهادة مباشرة كالمشاهدة والمعاينة للواقعة القانونية، وشهادة غير مباشرة، لذا يجب أن يكون موضوع الشهادة واقعة قانونيّة معينة، وألا تخرج المحكمة على مدلول الشهادة، وألا تطرح أقوال الشاهد من دون مبرر، كما أن للقاضي دوراً إيجابياً في الإثبات، ومن ذلك حقه المطلق ودون طلب الخصوم في ندب الخبراء، ومخاطبة الجهات الرسمية وغير الرسمية، وطلب المحررات الرسمية والعرفية والبينات، والإحالة للتحقيق، وسماع الشهود، وتوجيه اليمين المتممة، والاستجواب.

وذكرت أنه يتعين على محكمة الموضوع أن تحيط بالأدلة المطروحة عليها، وأن ترد على الدفاع الجوهري للخصوم الذي قد يتغير به وجه الرأي في الدعوى، فإذا أغفلت المحكمة التحدث في حكمها عن الأدلة المؤثرة في النزاع، ولم تمحص ما ورد فيها بما يفيد بأنها أحاطت بحقيقة الواقع في الدعوى، واستنفدت كل ما في وسعها لكشف وجه الحق فيها، فإن حكمها يكون قاصراً، وذلك أن إغفال الحكم بحث دفاع جوهري أبداه الخصم أو الإعراض عنه دون تسبيب مقبول يشوبه بالقصور الذي يرتب بطلان الحكم، وذلك أن الحكم يجب أن يتضمن ما يطمئن المطلع عليه أن المحكمة حصلت فهم الواقع، وأحاطت بعناصر الدعوى وبالأدلة المقدمة، ومحصت دفاع الخصوم، وواجهته بالرد الكافي السائغ المقبول، وأن إغفال الحكم دفاعاً من شأنه لو صح لتغير به وجه الرأي في الدعوى يدمغه بعيب القصور في التسبيب، وذلك أن الدفاع الجوهري يجب أن تتكفل المحكمة بالرد عليه بما يسقطه.

Google Newsstand

تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news

Share

فيسبوك
تويتر
لينكدين
Pin Interest
Whats App