تُعد شخصية روبن هود واحدة من أكثر الشخصيات أيقونية في التراث الشعبي الغربي، وقد ظهرت منذ قرون طويلة في أغانٍ فلكلورية وشعبية، ثم في العديد من الأفلام والمسلسلات التي أعادت تأويلها بطرق مختلفة.

أحدث هذه الأعمال مسلسل “روبن هود” (Robin Hood)، الذي يقدم معالجة درامية جديدة تبتعد عن الطابع الأسطوري التقليدي خفيف الظل للشخصية، لصالح قراءة أكثر واقعية وسياسية.

يعرض المسلسل على منصة “إم جي إم بلس” (MGM+)، ويتكون من عشر حلقات، ويؤدي دور روبن هود جاك باتين، إلى جانب لورين ماكوين في دور ماريان، والمخضرم شون بين في دور شريف نوتنغهام، وكوني نيلسون في دور الملكة إليانور.

من الأسطورة إلى التمرد السياسي

تدور أحداث مسلسل “روبن هود” في إنجلترا عقب الغزو النورماني، حيث يعيش روب، ابن حارس غابات ساكسوني (أي من السكان الأصليين في إنجلترا)، بعدما جردهم النورمان من أراضيهم ومنزلهم، وتركوا عائلته فقيرة معدمة.

بعد حادثة مفصلية مرتبطة بإعدام والده على يد السلطة المحلية، يُدفع روب إلى طريق التمرد، ويتحول تدريجيًا إلى خارج عن القانون، قبل أن يتزعم مجموعة من المنبوذين والمقاومين في غابات شيروود.

 

بالتوازي، نتعرف على ماريان، وهي ابنة أحد النبلاء النورمان، التي يلتقي بها روب عن طريق الصدفة، وتنشأ بينهما مشاعر رومانسية رغم قصر مدة لقائهما. وتسلك ماريان مسارًا مختلفًا، إذ تتسلل إلى دوائر الحكم وتعمل كوصيفة للملكة إليانور، ما يخلق في المسلسل مسارين متوازيين للمقاومة: أحدهما علني وعنيف، والآخر خفي وسياسي.

تدفع الظروف والضغط السياسي من النورمان روب إلى مواجهات مباشرة مع شريف نوتنغهام، ويتحول صراعه الفردي إلى مواجهة أوسع مع بنية السلطة نفسها.

يأتي مسلسل “روبن هود” بوصفه إعادة صياغة جذرية لشخصية اعتادها الجمهور في أطر مغامراتية ورومانسية خفيفة، وهو ما يميزه بوضوح عن مسلسل “روبن هود” الذي عُرض على “بي بي سي” (BBC) بين عامي 2006 و2009، والذي قدم نسخة تميل إلى الكوميديا الخفيفة، مع التركيز على المغامرات أكثر من العمق السياسي. بينما يتبنى “روبن هود” في نسخة 2025 نبرة قاتمة، ويضع الصراع الطبقي والاحتلال النورماني في قلب الحبكة، محولًا روبن هود من بطل مغامر إلى رمز للثورة.

وعند مقارنته بمسلسل “روبن من شيروود” (Robin of Sherwood)، يتضح وجود قدر من التشابه في الرؤية؛ إذ اعتمدت نسخة الثمانينيات على البعد الأسطوري، وقدمت روبن هود كجزء من مصير غيبي مرتبط بالطبيعة، وهو ما ينعكس جزئيًا في النسخة الحديثة، مع بروز أسطورة “غودا” القديمة، التي تضع روبن هود في موضع المُحرر المختار للساكسون من النورمان.

أما على مستوى المقارنة مع المعالجات السينمائية الحديثة، مثل فيلم “روبن هود” من بطولة راسل كرو، فيبدو المسلسل أكثر تماسكًا على مستوى السرد؛ فبينما يركز الفيلم على الأكشن السريع والإسقاطات السياسية المباشرة، يمنح المسلسل مساحة أوسع لتطور الشخصيات وبناء العالم الاجتماعي المحيط بها، خصوصًا في خط ماريان السياسي.

في المجمل، يعيد مسلسل “روبن هود” توطين الشخصية داخل سياق تاريخي واجتماعي مختلف، مقدمًا الشخصية الرئيسية بوصفها حاملةً لأسئلة السلطة والعدالة، لا مجرد بطلٍ يسرق من الأغنياء ليعطي الفقراء ويعيد التوازن في المجتمع.

بين الفولكلور وإعادة التأويل

يرجع تاريخ روبن هود إلى القصص الشعبية والأغاني الفلكلورية الإنجليزية، لكنه لم يظهر فيها بالصورة نفسها التي اعتدناها في الأعمال التلفزيونية أو السينمائية، خصوصًا النسخة محل الحديث هنا. فقد اكتسبت الشخصية، على مر السنوات، أبعادًا وصفات مختلفة، يعكس كثير منها السياق الزمني الذي أُعيدت فيه معالجتها.

في القصص الشعبية، التي جمع بعضها الكاتب هاورد بايل في كتابه “مغامرات روبن هود”، يظهر روبن بوصفه بطلًا شعبيًا محدود الأفق السياسي، فلاحًا خارجًا عن القانون، يمارس العنف والخداع أحيانًا، ويقف في مواجهة شريف نوتنغهام والمؤسسات المحلية الفاسدة، لا النظام الحاكم ككل.

تبدو علاقته بالسلطة في هذه الحكايات ملتبسة؛ فالملك ليس عدوًا جوهريًا، رغم كونه المسؤول الأول منطقيًا عن الظلم الواقع على الساكسون، بل يحضر بوصفه رمزًا ينتهي الصراع عند تدخله، ما يجعل تمرد روبن أقرب إلى مقاومة اجتماعية، لا مشروعًا ثوريًا ضد طغيان واحتلال.

في المقابل، يعيد مسلسل “روبن هود” تشكيل الشخصية خارج هذا الإطار الفلكلوري، دافعًا بها نحو أفق سياسي أوسع، حيث يتحول روبن إلى رمز احتجاج محلي، ونتاج مباشر لبنية احتلال طبقية قمعية، ويغدو تمرده فعلًا واعيًا ضد النظام نفسه، لا مجرد سلسلة من المغامرات المسلية.

كذلك، في الحكايات الشعبية المبكرة، تكاد شخصية ماريان تكون غائبة تمامًا؛ فهي لا تملك حضورًا سرديًا مستقلًا، بل تظهر بوصفها إضافة رومانسية هامشية لا تتجاوز دور الحبيبة. ويعكس هذا الغياب طبيعة القصص الشعبية نفسها، التي انشغلت بصراع روبن مع السلطة المحلية أكثر من اهتمامها ببناء شخصيات نسائية فاعلة.

في المقابل، يمنح مسلسل “روبن هود” ماريان موقعًا محوريًا في السرد، ويعيد تشكيلها كشخصية مكتملة الأركان، لها صلة مباشرة بمنظومة الحكم عبر علاقتها بالملكة إليانور، التي تحاول بدورها التمرد على سياسات زوجها الملك هنري.

لا ترتبط ماريان هنا بروبن هود باعتبارها امتدادًا عاطفيًا لمساره، بل تمتلك خطًا دراميًا مستقلًا، يدور بعيدًا عن غابات شيروود، داخل البلاط الملكي، حيث المؤامرات والدسائس السياسية التي تؤثر على حياة أهل الريف، حتى وإن لم يروا الرابط المباشر بين الفعل ونتائجه.

ولا يقتصر اختلاف مسلسل “روبن هود” عن الأعمال السابقة التي تناولت الشخصية على إعادة صياغة الأبطال ودفعهم نحو أبعاد سياسية، بل يمتد أيضًا إلى اللغة البصرية. فالفارق الزمني بين المسلسلات والأفلام السابقة وبين العمل المعاصر ينعكس بوضوح في تطور أدوات التصوير والمؤثرات البصرية.

يقدم المسلسل تصويرًا مبهرًا للغابة محل أغلب الأحداث، وحركة كاميرا ديناميكية، ومعارك مصممة بعناية، إلى جانب مؤثرات رقمية تُستخدم لتعزيز العالم الدرامي. هذا التطور التقني، المرتبط بقدرات الإنتاج الحديثة، يسمح بتقديم إنجلترا العصور الوسطى في صورة ملحمية أكثر اكتمالًا.

لا يقدم مسلسل “روبن هود” مجرد إعادة سرد معاصرة لحكاية مألوفة، بل يستخدم الشخصية في صراع أوسع يتعلق بالسلطة والاحتلال والعدالة الاجتماعية، فمن خلال تفكيك الإرث الشعبي وإعادة بناء شخصيات داخل سياق تاريخي وسياسي أكثر قسوة ينجح المسلسل في نقل “روبن هود” من خانة البطل الشعبي الأسطورية، إلى الرمز السياسي القابل للتوظيف في كل عصر.

التقييم العام:

القصة: 3.5
الإخراج: 3.5
التمثيل: 4
المؤثرات البصرية: 4
صديق العائلة: 2