جان خليفة الذي وُصف بـ”العاشق للرسم حتى الموت”، رحل مبكراً لكنه ترك نتاجاً ثرياً ومتنوّعاً لا يزال نابضاً بالحياة وقادراً على محاورة الحاضر، رسّخ نهجاً فنياً يقوم على حرية مطلقة في التعبير، عبّر عنها بقوله: “أرسم كما يغنّي الطير”، تميز بانفعالية لونية ساطعة، وبراعة في اقتناص الملامح وقطف الأشكال وبمغامرته الدائمة في مساءلة القيم الجمالية واختراقها، مما أسهم في تغيير مسار الحركة التشكيلية اللبنانية، وكرّس حضوره كصوت فريد داخل جيل الستينيات والسبعينيات من القرن الـ20.
منذ عودته من باريس وإقامته أول معرض له في بيروت، وصفه الفنان الفرنسي جورج سير بـ”القلِق العاقل”، فقد أتسمت أعماله بنزعة تجريبية تقوم على اختزال العالم المرئي والتلقائية واندفاع الحركة. ومنذ عام 1959 انحاز إلى التجريد اللاتشخيصيّ (Non- Figuratif) وهو أحد تيارات التجريد في مدرسة باريس (Ecole de Paris)، قائم على الانفعال الخطيّ واللوني في التعبير عن الشكل وكانت موضوعاته مستلهمة من الطبيعة والمرأة وعالم الداخل.

وجهان في لوحة (خدمة المعرض)
“لوحات خليفة مليئة بالتخريمات الشرسة – على حد تعبير الشاعر صلاح ستيتيّه – تتبعها الرقة وسحر الدرجات اللونية التي تكشف عن عالم الرسام الداخلي. تسعى لوحاته إلى التعبير عن لغة الانسجام المتصارع وهو ما يشكل مصدر قوتها، باحثاً في قلقه عن الحلول الشخصية التي هي وحدها المجدية في رأيي، قلما نجد فنانين يتمتعون بقدر من الاستقلالية والحرية الفنية مثل خليفة”.
الفن يبدأ حين تنتهي الطبيعة
فن خليفة مؤلف أيضاً من صفاء وانفجارات فرح صاخبة، وهاتان النبرتان حتى لو تغلّب الطابع المأسويّ عليهما في أكثر الأحيان، تختلطان وتتجاوران من مرحلة إلى مرحلة. وقد أَولى نقاد الفن والشعراء والكتاب الذين رافقوا خليفة اهتماماً كبيراً وحماسة تقديراً لأصالته، لكن فنه لم ينل حظوته لدى الجمهور العريض، كما كتبت ايتل عدنان عام 1977: “إن أعماله التي عرضت كثيراً لم تُفهم إلا قليلاً، فقد مرّ بعضهم إلى جانبها من دون أن يروها، بينما حكم عليها آخرون من غير أن ينظروا إليها”. وفي ظل الانقسام الحاصل بين مؤيدين ومعارضين لتجاربه، بدا خليفة كـ”حديقة تائهة” بين النعومة والقسوة اللونية والعدائية، في بحث دائم عن توازن هش بين التشخيص والتجريد.
فقد كتب خليفة بالفرنسية عبارة “الفن يبدأ حين تنتهي الطبيعة” المستوحاة من قسطنطين برانكوزي، النحّات الروماني–الفرنسي وأحد رواد الحداثة في النحت، على لوحة فريدة من نوعها في نتاجه، أنجزها عام 1969 بأسلوب دادائيّ. تلخص هذه اللوحة فكرته الجوهرية بأن الفن لا يكرّر الطبيعة ولا يقلدها، بل يتجاوزها نحو جوهرها الداخلي، حيث تتحول الأشكال إلى خلاصات نقية، بعيدة عن الوصف والتشخيص المباشر.

الرسام جان خليفة امام لوحة له (خدمة المعرض)
كان ذلك ممكناً بفضل مَلَكة التلوين التي ميّزت ريشة خليفة، حين أسهمت انطباعية أستاذه قيصر الجميّل خلال دراسته في الأكاديمية اللبنانية (1947- 1950)، في اكتشاف طاقات اللون وقدرته على التعبير لا عما تراه العين فحسب، بل عن مشاعر القلب والذاكرة والوجدان وإيقاعات نظام الطبيعة المستمدة من طفولته في قرية حدتون (مسقط رأسه في البترون)، ثم فتحت له باريس آفاقاً جديدة، حيث تتلمذ على يد هنري غوتز، وتأثر بعنف ضربات فان غوخ، وقوة التلطيخ عند نيكولا دو ستايل وجان بازان، وبالانفعال الحركي لدى شنايدر وهارتونغ، ولا سيما أداء جورج ماتيو الذي شكّل حضوره إلى بيروت عام 1961 حدثاً مفصلياً. في ذلك العام نفسه، الذي شهد معرضاً لهارتونغ في بيروت (القنطاري)، بلغ جان خليفة منعطفاً حاسماً حين أعلن نبذه للتشخيص كلياً، واتجه إلى التجريد الغنائي، القائم على دينامية الحركة، وعفوية الخطوط، والضربات اللونية المنبثقة من فعل جسدي سريع ومتوتر، متحرراً من مفردات الواقع المرئي.
أرسى خليفة أسلوباً متفرّداً في التجريد ضمن جيله الحداثي، متأثراً بالفن الحركي (Art gestuel)، لكنه تجاوز السائد في تجريد مدرسة باريس. جمع بين التأليف الأفقي والمنظور العلوي، قبل أن يتقدّم نحو التأليف العمودي القريب من مدرسة نيويورك، ليشيّد فضاءً بصرياً نابضاً باللطخات والإشارات الخطية والبقع اللونية المحتدمة، مؤكداً موقعه كمجدد وطليعي. وبعد صمت دام أربعة أعوام (1964- 1968)، عاد إلى التشخيص في عامي 1971- 1972، بسلسلة من اللوحات الزيتية الضخمة والناضجة إذ انفجرت موهبته في عرض مبهر من الأشكال والألوان.
المرأة شمس حياته وفنه

لوحات من المعرض الإستعادي (خدمة المعرض)
كان جان خليفة شخصية تراجيدية صراعية قل مثيلها في صدقها وتوترها وتنقلاتها، صارع ذاته وهو يروّض الواقع ووحشية الألوان، بأسلوب متفرد، وعصب يد مهجوسة بالقلق والانفعال. وفي قلب هذا الشك كانت المرأة يقينه الدائم، ومن خلالها بلور أفكاره حول مفاهيم الجمال التي جاءت صادمة أحياناً، فمنذ أواخر الخمسينيات، غدت شاهدة على شغفه وانقلاباته وصمته وثورته، وعلى ضربات ريشته المشحونة بالعنف، وعلى صراعه المعلن والمضمر بين الواقع والتجريد، وهو صراع ظلت نتائجه غير محسومة ولا سيما في مسألة حضور الشكل وغيابه.

لوحة بورتريه (خدمة المعرض)
كانت المرأة الشمس التي لم تغب عن حياة جان خليفة وأعماله، هذا التعلق بحضورها وجسدها، أبقاه في حال إنتاج دائم، ينبثق من إلهاماتها وطيفها المشحون بالرغبة، ولو في حضور استعاري، حمل ألوان الحدائق وصباحات الطبيعة المشرقة بالنور، كان يرسم وجهها حتى لو لم يره، وجسدها كما لو أنه يلمسه بريشته وينحته بأصابعه، محتفياً بها في كرنفالات لونية تليق بالعاشقين. وجوه شبحية(silhouette) بملامح ممسوحة، يكسوها الشحوب والحزن أحياناً، ونساء مرسومات كآلهة الأساطير الفينيقية، تتردد صورهن بين المقدمة والخلفية، كحقيقة ووهم، وتترافق أحياناً مع ستائر أو رداءات تنسدل كغلالات نورانية، تزيد من الإغواء والجذب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
قدم خليفة المرأة كفضاء بصري لارتجالات الخط واللون، بأسلوب طليق في التحوير والأسلبة (Stylisation)، محرراً الجسد من ثقل الواقع إلى إيقاع لوني مجسّم، وأحياناً إلى فكرة تتجاوز الإغراء، لتصبح المرأة ذريعة تشكيلية لبناء عالم حسي شهواني دافئ وحميم، حيث تتقدم فيه المتعة البصرية والانسجام على السردية الوصفية. لم يكن يرسم المرأة بقدر ما كان يزيّن الوجود بها، فرحاً ونسمةَ حياة صادرة من القلب، ومن ذاكرة التقاليد الفنية التي كثيراً ما اعتبرت المرأة قرينة للجمال.
في ذروة الغليان الثقافي لبيروت الذي عاش في زخمه، مع جيله من الفنانين والنقاد والوسط الفني، استطاع جان خليفة أن يصالح بين التشخيصي والتجريدي في آن، بفضل سطوة أسلوبه وفلسفته في الحياة وعشقه للفن، أما اللغز الفني الذي تركه لنا، فيبدو لي متجسداً، في لوحة ذاتية صغيرة autoportrait يظهر فيها رافعاً يمناه وقد نمت من أصابعه حزمة من ريش الرسم، وفي كفه عين سحرية، تمزج الجسد بالروح، والعضوي بالميتافيزيقي، ليست سوى عين الفنان الرائية المفتوحة على العالم التي ستبقى شاهدة على إبداعاته على مر الزمن.
