في مقدمة لحوار مع الفنان اللبناني الفرنسي رضا العبدالله، كتبت مجلّة DUEL MAGAZIN: “تكشف رؤية الفنان دورية الحياة وكيف أن كل لفتة تتناغم مع الكون: حميمة أو عظيمة، شخصية أو كونية. يتأرجح عمل رضا العبدالله بين اليأس والقنوط، والدمار والتجديد. من خلال حديثنا معه، نحن مدعوون لاستكشاف حميمية الذات، وانعكاسات التجربة الإنسانية، كاشفين جوانب متعددة من تجربته الفنية المثيرة”.
رضا العبدالله، ابن الشاعر الراحل محمد العبدالله والروائية هدى بركات، المولود في بيروت، غادر لبنان في سن مبكرة مع والدته وأخته إلى باريس. قبل السير في دروب الغربة، كان رضا قد نشأ في بيئة أدبية، ليس ضمن المنزل فحسب، بل إن العديد من أفراد العائلة كانوا كتاباً أو شعراء، كما هو معروف. يفيد المنطق السائد، الذي نرى تجلياته في غير مكان، وفي حالات ليست بقليلة، أن يصبح الشاب كاتباً، سيراً على خطى العائلة. على أن هذا المحيط لم يترك تأثيراً بالغاً فيه، إذا تبين لعائلته ولمحيطه القريب أنه يجيد الرسم منذ صغره. كانت الأمور واضحة بالنسبة إليه: ينبغي دراسة الفنون البصرية، تحقيقاً لرغبة ذاتية لم تكن لتتحقق في لبنان، في حين شكّلت العاصمة الفرنسية المكان الأنسب لها.
إثر إنهاء دراسته في معهد الفنون الجميلة في باريس، يقول رضا إنه، في بداية مسيرته الفنية، كان ركّز بشكلٍ أساسي على مشاهد تُعرف في تاريخ الفن باسم “الكابريتشيو”. والكابريتشيو، أو النزوة المعمارية كما يمكن أن تسمّى، هو في الرسم تصوير لمنظر طبيعي خيالي أو شبه خيالي، يجمع بين المباني والآثار وعناصر معمارية أخرى بطريقة خيالية. الكابريتشيو، ذو الأصل الإيطالي، ظهر في القرن الثامن عشر، في شكل يتناقض مع أسلوب الفيدوتيVedute، الذي يعتمد على تصوير المناظر الطبيعية الحضرية الحقيقية. أما الكابريتشيو فهي، أيضاً، عبارة عن تكويناتٍ تصويرية مليئة بشخصياتٍ غامضة، حيث لا يُفهم ما يحدث إلا جزئيًا، إنه شكلٌ من أشكال السرد شبه الكامل، يترك مجالًا واسعًا للتأويل الشخصي.
يدور الحديث، هنا، حول الخراب، وكذلك حول المباني المهجورة، وما بقي منها قائماً. يبدو تصوير الأطلال، للوهلة الأولى، حاملاً لتناقض فني، إذ يُبرز الطبيعة الزائلة للعمل البشري، وانتصار الطبيعة في نهاية المطاف على محاولات الفنانين لتجميل العالم. هذا من الناحية المبدئية، لكن الخراب الذي صوّرته أعمال رضا العبدالله، تبعاً لأسلوبه الشخصي، لم تؤدّ الطبيعة في صنعه سوى دور ثانوي، قياساً إلى دور الحروب. نظرة واحدة إلى ما خلّفته الحرب الأخيرة في بلدنا، وما سبقها من حروب، تبيّن لنا ما لهذا العامل من دور تخريبي لم يغب عن ذهن الفنان، بالرغم من إقامته خارج الوطن.
بقي موضوع الخراب والمدن المنهارة حاضرًا في أعمال رضا ثلاث سنواتٍ، قبل أن يصبح محورًا أساسيًا لديه منذ حوالى عامٍ أو أكثر. بدأت معالجة هذا الموضوع مع مجموعة “الريف”، حين بدأت الغيوم تتحوّل إلى دخان. لم تعد السماء مسرحاً لما تمليه الطبيعة وهي التي تحدد مظهر السماء بحسب الظرف المناخي، بل امتلأ الجو بالغبار والدخان ورائحة البارود. هذا البارود شكّل، في حد ذاته، تجربة تشكيلية، حاول رضا من خلالها استكشاف موضوع الانفجارات وتأثيراتها. كان الفنان قد عمل، لمدّة ليست بقصيرة، كصحافي في قناة إخبارية، ما فرّق بينه وبين الرسم والتصوير لفترة من الزمن. لكنه شاء العودة إلى “مهنته” الأصلية، لينتج مجموعته المسمّاة “الغبار”، حيث أصبح الموضوع التشكيلي ذا أهمية مركزية، بعدما تفرّغ للعمل الفني. في ذلك الحين كانت غزّة تحت القصف الوحشي اليومي، الذي انتشرت صوره في وسائل الإعلام في العالم أجمع، ما أحدث ردّ فعل لدى شعوب العالم قبل حكوماته. إضافة إلى ذلك، بدأت وحوش الجو (كما يسميها محمود درويش) بقصف بيروت ومناطق لبنانية أخرى، مما جعل موضوع الدمار والخراب أكثر إلحاحاً لدى رضا.
أما مجموعة “الطوفان” فهي بدورها سلسلة من الأعمال التي تعاملت مع موضوع الخراب والدمار. قد تبدو بعض مشاهد هذه المجموعة مائية للوهلة الأولى، لكننا إذا ما دققنا فيها جيّداً فسنكتشف مدنًا دمرتها النيران والقصف. الموضوع الرئيسي، المذكور سلفاً، الذي شغل رضا يبقى هو نفسه، حاضرًا بقوّة، لكنه تعامل مع عنصرين متضادين: الماء والنار، وهذا التناقض يمتد عبر السلسلة بأكملها. ويفيد رضا أن “الطوفان” يمثل نقطة تحول، ولو نسبياً. تغيرت العناصر، فالتركيز الذي كان مُنصبًا على النار والبارود، أصبح، من خلال التقنية المستعملة، أقرب إلى الماء. وكما هو الحال مع “الغبار”، هناك أيضًا دلالة توراتية، فطوفان نوح، الذي غمر الأرض أربعين يومًا، هو عنصر مدمر وحدث إبداعي في آن واحد. والفيضانات، كما الحروب والصراعات، تحدث بشكل دوري. الطوفان موضوع قديم يمتد عبر التاريخ، ويجب فهمه ككارثة طبيعية، تمامًا كالحرب.
أما في ما يخص بيروت، فيفيد رضا بأن المدينة كان لها أثر واضح في أعماله وهو ليس أثرًا ضئيلًا، وهذا الأثر منتشر، ويكاد يكون غير مرئي. إذ لا يمثله الفنان أبدًا بدقة، كخريطة أو معلمٍ بارز، بل هو جزءٌ منه، وهو كامن وخفي. تدفقٌ خفيّ ومستمر. وبشكلٍ عام، فإن اختيار عدم إعطاء المدن أسماء ووجوهاً مُحددة يسمح له بتجنب الانغماس في التفاصيل وحكاياتها الخاصة، لأنه، بالنسبة إليه، كلما اقتربت من شيءٍ ما، قلّت رؤيتك له. ومن المفارقات، إذا كان هناك شيءٌ واحدٌ يُعلمنا إياه الخاص، فهو أن الخاص غير موجود. هذه المسافة ساعدت رضا على عدم حصر نفسه في قصته الخاصة، بل الانفتاح على قصص الآخرين. لقد كان أحد أهداف عمله على هذا، موضوعه الأثير هو إظهار أن المدن كلها تنهار بالطريقة نفسها: تفقد هويتها عند تعرضها للمصائب، وهذه السمة المشتركة هي ما يثير اهتمامه. وهو يرى إن فكرة التجربة المشتركة هذه رائعة، على الصعيدين الإنساني والفني. في الوقت نفسه، يمثل عمل الفنان وسيلةً لتفريغ مشاعره وذكرياته، وعدم السماح لها بأن تصبح عبئًا أو مصدر إزعاج. ومن خلال ابتكار مواضيع غير شخصية، فهو يحاول التخفيف من حدة قصته الذاتية بالحبر والطلاء. هذا الأمر أشبه بأغنية حزينة، تصبح، على نحوٍ متناقض، ممتعةً للاستماع: فهي تتحدث عن الحزن، لكنها تحوله إلى جمال. وهكذا، يتيح لنا الفن إضاءة الماضي وتوجيه الضوء نحو المستقبل.
في أعمال رضا العبدالله يتشابك الماضي والحاضر والمستقبل في استمراريةٍ دورية: ينتقل الفاعلون بين عالمين متوازيين متراكبين، غافلين عن بعضهما، في وضح النهار وفي الظلام. هكذا يُرى التاريخ البشري أيضًا: دورةٌ ثابتة، كدورة الصفائح التكتونية التي تتقدم وتتراجع وتصطدم، فتُشكّل أحيانًا جبلًا، وأحيانًا زلزالًا. العنف والحروب والصراعات تستجيب لهذه الحركة الأبدية نفسها. لقد أراد رضا العبدالله، من خلال أعماله، استكشاف هذا التدرج الطبقي، في المادة والتاريخ على حدٍ سواء. إنه تنقيبٌ حميمٌ وعالميٌ في آنٍ واحد، يسعى إلى إظهار ما يتكرر، وما يستمر، وما يطفو على السطح في ذاكرتنا الجماعية.
