تبدو الفانتازيا اليوم واحدة من أكثر الأنواع الدرامية قدرة على إعادة صياغة الأسئلة الكبرى عبر المجاز، لا عبر المباشرة. فخلف التنانين والسحر والعوالم المتخيلة، تتوارى أسئلة عن النضج والمسؤولية والاختيار، وهو ما جعل هذا النوع الدرامي ضمن أكثر الأشكال قدرة على التعبير عن قلق العصر وتحولاته.
في عام 2026، تعود مجموعة من مسلسلات الفانتازيا المرتقبة لتختبر هذه القدرة من جديد، مستندة إلى عوالم جذابة، لكنها أكثر وعيا بثقلها الرمزي. من إعادة قراءة الأساطير، إلى تفكيك فكرة البطل، ومن المغامرة الخالصة إلى الصراع الأخلاقي، تبدو هذه الأعمال مرشحة لتقديم موسم لا يكتفي بالإبهار، بل يدعو المشاهد إلى التوقف والتأمل.
أفاتار: أسطورة آنغ.. من التأسيس إلى التعقيد
بعد موسم أول انشغل بالتأسيس ومخاطبة جمهور شديد الحساسية تجاه العمل الأصلي، يعود مسلسل “أفاتار: أسطورة آنغ” (Avatar: The Last Airbender) بوعد أكثر نضجا وانغماسا في أسئلته الأخلاقية والإنسانية التي جعلت من “أفاتار” حكاية عابرة للأجيال.
الموسم الجديد، والمنتظر عرضه عبر منصة نتفليكس (Netflix)، لا يكتفي بمواصلة الرحلة، بل يعمقها دراميا وبصريا، مستفيدا من استقرار الطاقم الفني وتجاوز الممثلين مرحلة التعريف بالشخصيات نحو استكشاف هشاشتها الداخلية.
وسيصبح المشاهد على موعد مع تتبع القصة إلى خط مملكة الأرض، حيث تتسع الجغرافيا وتضيق الخيارات، وتتحول رحلة آنغ من مجرد تدريب على التحكم في عنصر جديد إلى اختبار وجودي لمعنى أن تكون أفاتار في عالم يخشى الخلاص أكثر مما يتمناه.
ومع ما حظي به الموسم الأول من تصميم بصري يحترم الجذور الثقافية الآسيوية وجدية درامية واضحة، تبدو الأجزاء المقبلة مرشحة لنضج سردي يتجاوز ثنائية الخير والشر نحو صراعات أكثر التباسا.
فارس الممالك السبع.. بشرى لعشاق صراع العروش
إذا كنت من محبي سلسلة “صراع العروش”، ننصحك بمشاهدة الموسم الأول من مسلسل “فارس الممالك السبع” (A Knight of the Seven Kingdoms)، المتوقع عرضه هذا الشهر عبر منصة “إتش بي أوه” (HBO) ضمن توسعها المستمر في عالم ويستروس.
ينتمي العمل لفئة “القصة السابقة” (Prequel)، إذ يعود زمنيا إلى مرحلة تسبق الأحداث المعروفة بنحو قرن، كاشفا جذور الصراعات الأولى وبدايات التصدع في منظومة الشرف والفروسية قبل أن تتحول لاحقا إلى حروب دامية.
يتتبع المسلسل رحلة فارس جوال بسيط بلا مجد أو نسب رفيع، لكنه يعتنق مجموعة قيم تصطدم تدريجيا بالطبقية والمؤامرات، وهو ما يضعه أمام اختبار قاسٍ غير متوقع.
ويعد العمل أحد أكثر مسلسلات الفانتازيا انتظارا، لأنه يعيد الاعتبار للحكاية الهادئة داخل عالم مألوف اعتاد الاحتفاء بالملوك والتنانين من جهة، ومن جهة أخرى لأنه يمنح الجمهور الجديد فرصة دخول ساحة “صراع العروش” من بوابة الشخصيات والقيم لا عبر المعارك والاستعراض.
صعود ميرلين.. حين تولد الأسطورة من الهامش
يترقب جمهور الفانتازيا التاريخية عرض الموسم الأول من مسلسل “دورة بندراغون: صعود ميرلين” (The Pendragon Cycle: Rise of the Merlin) خلال يناير/كانون الثاني الجاري، بوصفه عملا يسعى إلى إعادة قراءة أسطورة الملك آرثر من زاوية تركز على البدايات الهشة للشخصيات قبل تحولها إلى رموز.
ويتتبع المسلسل نشأة الساحر ميرلين، كاشفا صراعه الداخلي بين المعرفة والقدر، وبين القوة والعزلة. ولا يقدم العمل الأسطورة في صورتها البطولية الجاهزة، بل يشتغل على لحظات التكوين النفسي والاختيارات الأولى التي تصنع المصير.
وتنبع التوقعات المرتفعة من ميل العمل إلى تقديم فانتازيا جادة تمنح الأولوية للأسئلة الإنسانية، وتقدم ميرلين كشخصية تتعلم عبر الخطأ، في محاولة لبناء هوية مستقلة داخل عالم مزدحم بإعادة إنتاج الأساطير.
ون بيس.. حين تتحول المغامرة إلى اختبار للنضج
بعد النجاح اللافت لموسمه الأول، يعود مسلسل “ون بيس” (One Piece) في موسم جديد مرتقب خلال مارس/آذار المقبل برهانات تتجاوز حدود المغامرة، لتطال البناء الدرامي وتطوير الشخصيات.
يتابع العمل رحلة لوفي (Luffy) وطاقمه في عالم يزداد اتساعا وخطورة، حيث تتحول مطاردة الكنز إلى مواجهة مع أنظمة قمعية وتحالفات ملتبسة، وأسئلة متصاعدة حول الحرية وثمنها. يحتفظ الموسم الجديد بأبطاله الأساسيين، مع إدخال شخصيات محورية تضيف تعقيدا حقيقيا لمسار الحكاية، والرهان هنا لا يكمن في كثرة الأسماء، بل في عمق تأثيرها الدرامي.
ومع ما تميز به الموسم الأول من خيال خصب، وتصميم بصري يحترم عالم الأنمي، والكيمياء الواضحة بين الممثلين، تبدو المؤشرات واعدة بعمل قادر على توسيع حدوده الدرامية دون التفريط في خفة الروح التي شكلت جوهره، ما قد ينقله من نجاح ترفيهي إلى تجربة درامية أكثر رسوخا.
مقابلة مع مصاص الدماء والغوص إلى الداخل
يعود مسلسل “مقابلة مع مصاص الدماء” (Interview with the Vampire) في موسم ثالث، مواصلا تقديم نفسه كعمل فانتازي ناضج في التعامل مع أسطورة مصاصي الدماء بوصفها حكاية عن الوحدة والذنب والرغبة في الخلود أكثر مما هي حكاية رعب تقليدية.
يواصل السرد تفكيك العلاقة المعقدة بين بطليه عبر ذاكرة متشظية وشهادات متعارضة، حيث لا حقيقة واحدة للأحداث، فيما تميل الحبكة إلى تعميق أسئلة الهوية وثمن الخلود وهشاشة الروابط التي تمتد عبر القرون، مع انفتاح محسوب على شخصيات وعوالم جديدة تعيد ترتيب موازين القوة والعاطفة.
وإن كان الجمهور ينتظر موسما أكثر توازنا بين التأمل والحدث، يوسع العالم الدرامي ويقدم تطورا فعليا للشخصيات، مع جرأة أكبر في التنقل بين الأزمنة والمساحات دون التفريط في نبرته الفلسفية.
ومن الجدير بالذكر أن هناك أعمالا أجنبية أخرى تحظى بمتابعة واسعة في الغرب، وتتمتع بقيمة فنية واضحة، لكنها تظل غير ملائمة للمشاهد العربي بسبب ما تتضمنه من تجاوزات صريحة في المحتوى.
من بينها مسلسل “بيت التنين” (House of the Dragon) في موسمه الثالث، الذي يواصل تقديم صراع سياسي دموي داخل سلالة التارغاريان (Targaryen) مستندا إلى إخراج قوي وعناية فائقة بالتفاصيل البصرية، ما جعله من أكثر الأعمال مشاهدة عبر منصة “إتش بي أوه”.
وينطبق الأمر ذاته على مسلسل “ذا ويتشر” (The Witcher) في موسمه الخامس، الذي يحافظ على حضوره الجماهيري بفضل عالمه الفانتازي المظلم وأدائه التمثيلي المتماسك، ليظل أحد أبرز أعمال الفانتازيا على منصة نتفليكس رغم وجود تحفظات على محتواه.
